دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
القيام بخدمة الزوج
قال هؤلاء: الاستمتاع؛ لأن العقد إنما نص فيه على الاستمتاع وليس على الاستخدام.
فيقال: إن المرأة أيضاً تستمتع بالرجل، فهذا حق مشترك، كلاهما يستمتع بصاحبه، فما هي التبعة على المرأة مقابل هذه الخدمات الهائلة بالنسبة للرجل؟ هل الرجل يعجن ويخبز ويغسل الملابس وينظف البيت؟ فما عمل المرأة إذاً؟! وأين قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]؟ ما الذي عليهن إذاً؟ إذا كان الرجل يفعل كل ذلك، ويضرب في الأرض حتى يكسب قوته وقوت أولاده من عشرات الأفواه والأيدي كل يوم، ثم يأتي في خاتمة اليوم أو خاتمة الأسبوع أو الشهر فيعطيها ما تريد كيف يقال: إن المرأة ليس عليها أن تخدم الرجل؟! بل وصل الشطط ببعض هؤلاء العلماء إلى أن قال: يلزم الرجل إن كانت زوجته تدخن أن يأتي لها بالسجائر! ويزعم أن هذا معروف، كيف والتدخين حرام؟ يعني كيف لو أرادت المرأة -مثلاً- أن تخرج متبرجة أو تشرب خمراً، يكون عقوقاً من الرجل أن يمنعها من ذلك؟! هذا شطط.
والذين يقولون باستحباب الخدمة فقط، لا أتصور أحداً منهم لو جاء بأضياف إلى البيت فقال لامرأته: أعدي طعاماً.
فقالت له: إن الخدمة مستحبة، أي: لا جناح علي ولا إثم إن لم أخدمك أنت وأضيافك، التمس من يفعل لك ذلك.
لا أتصور أن يقف الرجل عند القول باستحباب الخدمة، بل لعله يطلقها.
المعروف في العقود غير الموقوف عليها أن العرف هو الذي يتحكم فيها، فإن كان على الرجل حق فعلى المرأة حق أيضاً، وإلا لم يكن هذا من العشرة بالمعروف.
قالوا أيضاً: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعاً وإحساناً، وهذا من أعجب ما يكون، هل خدمة فاطمة كانت إحساناً؟ في الحديث الذي رواه الشيخان: أن فاطمة ﵂ ذهبت إلى النبي ﷺ تطلب خادماً، وقد جاءه رقيق.
وفي بعض الروايات: أن علياً لما رآها تخدم وقد تورمت يداها من الخدمة قال لها: قد جاء أباك رقيق، فاستخدميه -استخدمي أحد هؤلاء الرقيق- فذهبت إلى البيت فلم تجده، فتركت الخبر عند عائشة ﵂، فلما جاء النبي ﷺ وقصت عليه عائشة مطلب فاطمة ﵂ ذهب إلى البيت، فوجدهما قد أخذا فراشهما، قال: مكانكما، فصعد على الفراش، قالت فاطمة: حتى وجدت برد قدميه عند صدري.
فقال لها: (أفلا أدلك على خير لكما من خادم؟ -وفي بعض الروايات-: قال لهما: أفلا أدلكما على خير من خادم؟ تسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمداه ثلاثاً وثلاثين، وتكبراه أربعاً وثلاثين، فذلك خير لكما من خادم) سئل علي: أما تركت هذا؟ قال: قط.
قيل: ولا ليلة صفين -المعركة المشهورة- قال: ولا ليلة صفين).
لو كانت خدمة المرأة مستحبة فقط لقال النبي ﵊ لـ علي: إن الخدمة ليست بواجبة عليها، أما وقد قال ذلك وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحداً؛ فدل ذلك على أن الخدمة واجبة على المرأة، وهو قول ابن حبيب، وقول أبي ثور، وهو وجه في مذهب الحنابلة.
وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح أن أسماء ﵂، قالت: (كنت أقوم على خدمة الزبير فكنت أحتز لفرسه، وأعلفه، وأسوسه، وأقوم عليه) ومعلوم أن هذا كله كان يقوم على عين النبي ﵊، وكان يرى ذلك.
وفي صحيح البخاري أن أسماء ﵂ كانت تقول: (وكنت لا أحسن أخبز، وكن لي جارات صدق من الأنصار كن يخبزن لي) فخدمة المرأة لزوجها كانت مشتهرة، ولا شك أن بعض النساء كن يكرهن ذلك على عهد النبي ﵊، فلم يؤثر قط أنه قال لرجل من الرجال: إن خدمة المرأة مستحبة فقط، ويلزمك أن تأتي للمرأة بخادم؛ فدل ذلك على أن خدمة المرأة لزوجها واجبة.
ومسألة أن العقد إنما هو للاستمتاع فقط مسألة في غاية التهافت؛ لأن كثيراً من الأحاديث الصحيحة دلت على أن خدمة المرأة لزوجها واجبة، لكن الخدمة إنما تكون بالمعروف، لا تكلفها فوق طاقتها، فإنه ليس على المرأة حتم لازم أن تخدم أم الرجل، أو تخدم أباه، هذا ليس حتم لازم على المرأة، ولكن تندب إليه، فلا تكلفها غصباً بالأعمال الجسيمة؛ لأن كل شيء مقيد بالمعروف، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية وليست كخدمة الحضرية، كل فعل إنما يكون بالمعروف.
ثم لا تنس أن الخدمة وإن كانت على المرأة واجبة إلا أنه يستحب للرجل أن يشارك أهل بيته في بعض العمل، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﵌ يكون في خدمة أهله) وفي الشمائل للترمذي: (يفلي ثوبه، ويقوم على إصلاح نعله، فإذا أذن للصلاة خرج إلى الصلاة) هذا هو مقتضى المعروف: أن تشارك زوجك في بعض العمل لاسيما إن وجدتها أثقلت بكاهل الولد أو أثقل كاهلها بالعمل.