دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
نوح ﵇ وامتناعه عن الشفاعة
قال آدم: (ولكن اذهبوا إلى نوح فإنه أول نبي أرسل -لعل له كرامة على ربه ﵎ فيقول نوح ﵇: إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضبه قط، وقد كانت لي دعوة فدعوتها).
وهذا وضحه النبي ﷺ في الحديث الصحيح قال: (لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي).
انظروا إلى رحمته ﷺ بنا، كل شيء كان يفعله لصالح أمته، مع أن أغلبهم لا يقيمون لهذا القرآن وزناً، ولا يقيمون لسنته ﷺ وزناً.
وخرجت نابتة من المسلمين يقول أحدهم: (والله لا يكون المسلم الهندي أقرب إليَّ من النصراني المصري)، يعني: النصراني المصري أقرب إليه من المسلم الهندي، ما الذي جناه المسلم الهندي؟ لا شيء، إلا لأنه هندي بعيد الدار، ويزعمون أن هذا هو فهمهم، ولا يكون الإسلام إلا كما يفهمون.
هذه القومية القبيحة التي جعلت الناس يعبدون التراب والأرض، ويغنون للتراب والأرض، ومن شعارهم: (أن الدين لله والوطن للجميع) الدين لله، بمعنى أن كل إنسان يعبد ما يشاء، حتى خرج علينا بعض من يتسمى بأسماء المسلمين، فينكر على الذي يجبر الناس على الصلاة، ويقول قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] وهو جاهل لا يدري ما الدين في هذه الآية، إن الله ﷿ أنزل هذه الآية ليقولها النبي ﷺ للذين يدينون بغير دين الإسلام، أما تارك الصلاة فلا إسلام له، وإلا كيف يكون مسلماً وقد تحلل من دينه شيئاً فشيئا حتى صار مضاداً له.
سبحان الله! عندما تنظر إلى صنيع النبي ﷺ، وتنظر إلى صنيع الأمة فإنك تقول: إنهم لا يستحقون شيئاً مما فعله ومما سيفعله من أجلهم، وها هو الرسول ﷺ يقول: (إني آخذ بحجزكم من النار ولكنكم تغلبونني -آخذ بحجزكم: أي أحجزكم عن النار، ولكنكم تتفلتون مني وتتهافتون في النار- ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله ويقربكم إلى الجنة، ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به)، فقد بلَّغ وأدى الذي عليه ﷺ، ولم يبق إلا الذي علينا.
فنوح ﵇ دعا دعوته المستجابة: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، وذلك حين قال هذه دعوة نوح ﵇، استجابها الله فوراً، ولم يعد لنوح دعوة مدخرة ليوم القيامة ليدعو الله ويشفع للناس، فيريد أن ينجو بنفسه فقال: (اذهبوا إلى إبراهيم) وإبراهيم كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] تصور عندما يكون أمة واحدة، كيف سيكون قدره عند الله ﷿؟ وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥].
عندما قالوا له: (اشفع لنا عند ربك، قال: إني كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي) ثلاث كذبات كذبها إبراهيم ﵇ ويخشاها، اثنتان منها في ذات الله ﷿، كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (كذب إبراهيم ثلاث كذبات: في قومه لما قال المشركون: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]-هذه الكذبة الأولى.
الكذبة الثانية:- لما دعاه الناس إلى عيدهم فأراد أن لا يشارك المشركين في عيدهم، قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩] وهذه الكذبة الثانية).
الكذبة الأولى: أنه ﵇ حطم الأصنام ووضع الفأس على عنق الكبير، فلما رجعوا وجدوا الأصنام جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم يرجعون، فجاء جمع وأخبروا أحد المحافظين وقالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٠] يعني: يذكرهم بسوء، أي: يسب آلهتهم، ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] فجاءوا به وقالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣]، هذه لا تعد كذبة إنما هي من المعاريض؛ لأن الأنبياء يستحيل عليهم الكذب، الكذب خاصة؛ لأنهم يبلغون كلام الله إلى الناس، وما آفة الأخبار إلا الكذب، فلا يجرب على نبي كذب أبداً.