Skip to content

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

Printed page: 34/ 10 · Part 1 of 2

Text

أدب الحوار عند ابن تيمية إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. من الدروس المستفادة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: معرفة أدب الحوار. فإن شيخ الإسلام ﵀ بعدما ظهر عليه النضوج صارت حياته كلها معارك في كل الجهات، ولا شك أن هذه المعارك تخرج المرء عن حلمه أحياناً لصلابة المعارض، فأحياناً لا تستطيع أن تتحمل طريقة جدال الإنسان الذي أمامك، فتغضب عليه فتخرج منك عبارات نابية، وهذا لا يصدر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يقول في بعض المناظرات لخصومه: أنا أعلم كل بدعةٍ في الإسلام وأول من ابتدعها؛ وذلك لعنايته الفائقة؛ لأن هذا يحتاج إليه في الرد، فهناك بدع قد لا تحتمل الصبر عليها، ومع ذلك تجد أن التزامه بالحوار العلمي الهادئ شيء عجيب. كان معه مرة غلام يتحدثون حول التكفير، ثم تطرق الكلام على تكفير الحاجب، وجاء الدور في الاستدلال بقول ابن عباس الصحيح عنه (كفرٌ دون كفر). فقال هذا الغلام: ابن عباس رجل وأنا رجل، أي: نحن الآن في ميدان البحث العلمي الحر، فـ ابن عباس كما أنه رجل فأنا رجل، وكما أنه مخاطب بأدلة الشريعة فأنا أيضاً مخاطب بأدلة الشريعة، وأنا رجل لي اجتهادي ورأيي، فلا تحتج لي بقول ابن عباس. وهذا أصل من أصول هذه الجماعة: أن قول الصحابي ليس بحجة؛ لأن قول الصحابي إذا كان ليس بحجة فلم يبق إلا الكتاب والسنة، لكن بفهم من إذاً ندخل على الكتاب والسنة؟ بفهمي وبفهمك وفهم (س) و (ص) و (ل) و (ع) و (ض) و (خ) بفهم كل هؤلاء ندخل على الكتاب والسنة، ولو اختلفت أنا وأنت و (س) و (ص) و (ل) و (ع) أليس ينبغي أن يكون هناك حاكمٌ نرجع إليه عند الاختلاف؟ سيقول لي: الله والرسول ﷺ، نحن لسنا مختلفين في هذا، لكن أنا معي حديث وأنت معك حديث، وأنا احتججت بآية من القرآن، وأنت احتججت بآية، فمن الذي يفصل في المسألة؟ فتركوا فهم الصحابي هذا الأصل الذي انبثقت ثلاثة أرباع البدع بسبب إهماله وتركه، وإنما تركوا عمل الصحابة أو فهمهم لأدلة الكتاب والسنة عمداً. فيقول إذاً: أنا متعبد بالكتاب والسنة، وهو متعبد كذلك أي: نعم، والأمي الجاهل متعبد أيضاً، فكم رجل جاهل أمي أحسن منه في الاستدلال! ذهب مرة ثلاثة منهم يسألون عن زميلهم، وزميلهم يعرف قرية من قرى دمياط، فدخلوا وسألههم أبوه: تفضلوا، حتى يأتي، فدخلوا، فقدم لهم أكلاً، وبعدما أكلوا كسروا الأطباق وكسروا الملاعق، فدخل الرجل فرأى أمامه كأنه أمام هناك معركة حربية، وأشلاء المعركة موجودة، والأثاث مكسر كله، ما هذا يا جماعة؟ قالوا له: هذه الحاجات لم تكن موجودة في عصر النبي ﷺ. فكان أذكى وأفضل منهم في الاستدلال، فعندما يأتي هو ويقول: إن ابن عباس رجل وأنا رجل، فقال بعض أصحابي في رد لطيف عليهم: طيب، خليك رجل وهو رجل، لكن تميز ابن عباس عنك أن الرسول ﵊ قال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) فأنت من دعا لك؟! هذا معه دعوة الرسول ﵊، وأنت ماذا معك؟ فيقوم هذا الغلام يماري ويقول لك: وما أدراك أن دعوة الرسول استجيبت؟ فأنكر عليه إخوته هذا الكلام، فعندما تجد شخصاً يقول مثل هذا الكلام ممكن تفقد أعصابك وأنت تكلمه، فشيخ الإسلام ابن تيمية كان يناظره أناس بأقوال لا يقولها الشيطان الرجيم، وكان يرد عليهم وهو واسع الصدر حليم، مع الحدة التي كانت تعتريه لكن في الله، حتى إن الذهبي ﵀ قال: لو لان لخصومه لكان كلمة إجماع، فخصومه معترفون أنه بحر لا ساحل له، هو يغرف من البحر وهم يغرفون من السواحل انظر إلى التعبير! ومن خصومه: ابن الزملكاني نفسه، أول ما رأى ابن تيمية أنشد ثلاثة أبيات على البديهة لترفع ابن تيمية إلى مصاف العلم والمجتهدين، وقال ابن الزملكاني -الذي هو عدوه اللدود-: اكتملت في ابن تيمية كل آلات الاجتهاد على وزنها. وأبو حيان النحوي صاحب البحر المحيط في التفسير والنحو كان في النحو واللغة أشهر من نار على علم، كان يتمنى أن يرى ابن تيمية، فلما رأى ابن تيمية أنشد أبيات شعر وترحيب بـ ابن تيمية أيضاً على البديهة، وظل ابن تيمية هو الإمام الأوحد؛ حتى حصلت مناقشة بين ابن تيمية وبين أبي حيان في النحو. فلما حصل خلاف في جزئية من النحو، قال أبو حيان: قال بها سيبويه.

Reading tools

Cite this page

This book has no printed page numbers; these are Shamela's own.

Shamela
«دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني» (٣٤/ ١٠ بترقيم الشاملة آليا)
Short
أبو إسحق الحويني، دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني، ج ٣٤، ص ١٠.
Full
أبو إسحق الحويني (ت ١٤٤٦هـ). دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني. ١٤٤٦هـ، ج ٣٤، ص ١٠، بترقيم الشاملة آليا.

Go to a printed page