Skip to content

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Printed page ٢٦/ ٣

التأسي برسول الله ﷺ

وفي الصحيحين من حديث عمرو بن دينار قال: (سألنا ابن عمر عن رجل طاف في عمرته ولم يسع بين الصفا والمروة، ما يحل له من امرأته؟ فقال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت، ثم صلى ركعتين خلف المقام، ثم طاف بالصفا والمروة، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فأعطى الحكم بذكر الآية.

قال عمرو بن دينار: فسألنا جابر بن عبد الله ﵁، فقال: (لا تحل له امرأته حتى يسعى بين الصفا والمروة).

فـ جابر ذكر الحكم مباشرة، أما ابن عمر فذكر الآية لأنها أعم، قال: إن النبي ﷺ ما طاف فقط، إنما طاف وسعى، فرأيه يلتقي مع فتوى جابر ﵄، لكنه ألمح إلى عموم الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].

وأيضاً في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄، وذكر مناظرة هرقل مع أبي سفيان في شأن النبي ﷺ، فكان مما سأله هرقل لـ أبي سفيان عن النبي ﵊: - قال: هل قال أحد منكم هذا القول قط قبل ذلك؟ - فقال: لا.

- قال: فهل من آبائه من ملَك أو مِن ملِك؟ - قال: لا.

- فقال هرقل مجيباً: لقد سألتك: هل قال أحد هذا القول قبله قط؟ فذكرت أن لا، قال: فلو كان أحد قاله قبله لقلت: رجل يتأسى بمن قبله.

ثم سألتك: هل من آبائه من ملَك أو مِن ملِك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملِك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه.

فاستدل أن النبي ﷺ صادق في خبره الذي نقله عن الله ﷿، واستدل على أنه لم يسبقه أحد إلى هذا القول قبله لعلة التأسي، وأن الناس يتأسى بعضهم ببعض.

وسئل سفيان الثوري والإمام أحمد رحمهما الله عن التأسي فقالا: (عليك بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة).

كل هذا يدلنا على أن التأسي خلُق خلَق الله ﷿ الناس عليه، فانظر بمن تتأسى، أبالذي استخرج الله ﷿ من قلبه مضغة الشيطان فليس للشيطان في قلبه حظ؛ وهو النبي ﷺ، أم بمن دونه؟! ولقد صدق الشاعر وهو يذكر همم الناس، فقال: تركت وصالكم شرفاً وعزاً لخسة سائر الشركاء فيه ولا ترد الأسود حياض ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه من شرف الأسد وشرف همته: أنه إذا وجد الكلب يشرب من بئر فإنه يعافه، ولا يشرب منه.

همة المرء على قدر همه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لكن من الذي يتأسى برسول الله ﷺ؟ لا يتأسى به إلا رجلان، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] والصنف الثاني ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].

لماذا جعل أكثر الناس هدي النبي ﷺ خلفهم ظهرياً؟ لو أن النبي ﷺ كان حياً بيننا اليوم، فقابل في الطريق رجلاً يحلق لحيته، أو رجلاً مسبلاً إزاره، أو رجلاً يلبس الذهب فقال له: اعف لحيتك، أو قال له: ارفع إزارك، أو قال له: اطرح عنك هذا الذهب ماذا كان يفعل؟ الذي أعتقده أن كل سامع لهذا الكلام سيقول: لا شك أنه سيعفي لحيته، ولا شك أنه سيرفع إزاره، ولا شك أنه سيخلع الذهب فهذا كلام جميل! لكن هل له واقع؟ إن الذين جعلوا هدي النبي ﷺ خلف ظهورهم لا يرجون الله ولا اليوم الآخر، ولو عشت معهم لرأيتهم من أقل الناس ذكراً لله ﷿، تجلس في مجلس أحدهم ثلاث ساعات أو أربع لا يذكر الله مرة، إنما يذكر الدولار مائة مرة، ويذكر العقار، ويذكر الأرض، وتُذكر الآمال العراض والدنيا، فإذا نبه منبه على أي أمر تنبيهاً شرعياً تكلموا جميعاً في دين الله ﷿ بلا هدْي ولا كتاب منير، أطول الناس ألسنة في الكلام في دين الله أجهلهم بهذه الشريعة وأبعدهم من الذكر، لا يقوي القلب على التأسي برسول الله ﷺ إلا أن ترجو الله واليوم الآخر، كما كان الصحابة يفعلون.

روى أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ بسند حسن، عن بريدة ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ بيتاً فغاص بالناس -امتلأ- فجاء جرير بن عبد الله فلم يجد مكاناً فجلس خارج الدار، فأبصره النبي ﷺ، فلف ثيابه وقذف بها إليه أن اجلس عليها، فأخذها جرير فوضعها على وجهه وقبلها).

نظرة الحب والتأسي عند هذا الجيل كانت عالية، وكانوا يجعلون رسول الله ﷺ على الرأس والعين، وفي سويداء القلب؛ لذلك هان عليهم اتباعه والتأسي به، حتى إنهم كانوا يتبعونه فيما يستطيعونه، وكان الواحد منهم يخرج من بيته يقول: لأرمقن صلاة النبي ﷺ سائر اليوم.

ويجلس يومه كله ينظر إليه وهو يصلي، وينقل حركاته كلها، حتى إنهم لما كانوا يصلون خلفه في صلاة الظهر كانوا يعلمون قراءته باضطراب لحيته! بل وأبعد من ذلك: كانوا يسمعون للقراءة في صدره أزيزاً كأزيز المرجل، أي أن صدره له صوت وهو يقرأ؛ من شدة ما يلقى رسول الله ﷺ من المعاني التي في كتاب الله ﷿، ثم ينقلون هذا، حتى إنه ﷺ كان يصلي العشاء بهم مرة، فجاء ذكر موسى وهارون فسعل سعلة ثم ركع فسجلوها ودونوها أنه سعل عند ذكر موسى وهارون وركع.

فنقلوا لنا كل شيء في حياته ﷺ لماذا؟ لأنهم كانوا يرجون الله واليوم الآخر، وكانوا أكثر الناس ذكراً لرسول الله ﷺ.