دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
أيوب ﵇ أنموذج في الصبر على الابتلاء
وعندنا نماذج كثيرة من صور المبتلين: أول هؤلاء المبتلين وأشهرهم هو: أيوب ﵇، زكاه ربه ﷾ فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، وقد روى ابن حبان والإمام أحمد في مسنده قصة أيوب على لسان الرسول ﵊، فقال: (لبث أيوب في بلائه ثمانية عشر عاماً، فرفضه القريب والبعيد غير أخوين له، وذات يوم كانا يجلسان عنده، فلما قاما وهما بالانصراف قال أحدهما للآخر: تعلم أن أيوب أصاب ذنباً عظيماً؟ قال: ولم؟ قال: لأن الله ابتلاه منذ ثمانية عشر عاماً ما رفع عنه، قال: فلم يتمالك هذا الرجل الآخر إلا أن رجع إلى أيوب ﵇، فرجع إليه وقال له: إن أخي يقول: إنك ارتكبت ذنباً عظيماً، وإلا فلماذا لم يرفع عنك الله البلاء حتى الآن؟ فقال أيوب ﵇: أنا لا أعرف شيئاً من ذلك، غير أني كنت إذا سمعت الرجل يحلف، فأخاف أن يحنث فأرجع إلى بيتي فأكفر عنه) هذا هو الذي يذكره أيوب ﵇، وهذه هي عادة المؤمنين، يكرهون أن يحنث في اسم الله العظيم، قد يكذب نفسه لكن لا يتحمل أن يحنث في اسم الله، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ: (أبصر عيسى ﵇ رجلاً يسرق، فقال له: أتسرق؟ فقال الرجل: والله ما سرقت، فقال عيسى ﵇: آمنت بالله وكذبت بصري) تكذيب نفسه أهون عنده من أن يحنث في اسم الله العظيم.
وقد ذكر ابن عبد البر -والعهدة عليه في تصحيح هذا الخبر- قال: روينا بأسانيد صحيحة أن عبد الله بن رواحة -وهو شاعر النبي ﵊ رأته امرأته يطأ جارية له، فغارت وجاءت بسكين، وقالت له: فعلت وفعلت.
قال: ما فعلت؟ قالت: إن كنت صادقاً فاقرأ شيئاً من القرآن.
فأنشد عبد الله بن رواحة -والمرأة ما كانت تحفظ القرآن-: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين وتحمله ملائكة غلاظ ملائكة الإله مسومين فألقت المرأة بالسكين وقالت المرأة: آمنت بالله وكذبت بصري.
هكذا فإن العبد المؤمن يكره أن يحنث في اسم الله العظيم، يكذب نفسه ويكذب عينه ويكره أن يحنث في اسم الله.
كذلك فعل أيوب ﵇ قال: كنت أسمع الرجل يحلف فأكره أن يحنث في اسم الله، فكان يرجع إلى بيته فيكفر عنه، ثم إن الله ﵎ امتن على أيوب ﵇ فقال له ﵎: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]، فامرأته رجعت إليه فوجدت رجلاً صحيحاً معافىً، فقالت له: أي بارك الله فيك! أما رأيت نبي الله أيوب ذاك الرجل المبتلى؟ قال: هو أنا.
وهكذا فإن الله ﵎ منَّ عليه وملأ خزائنه ورضي عنه.
وفي الصحيحين: (أن أيوب ﵇ كان يغتسل عرياناً، فجاء فخذ جراد من ذهب فجعل يحثو في ثوبه، فقال الله ﷿ له: يا أيوب! أو لم أكن أغنيتك؟ قال: يا رب! لا غنى لي عن بركتك).
فكان أيوب ﵇ سيد الصابرين، وضرب الله ﷿ به المثل في القرآن كثيراً، قال ﷺ: (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى ثم تكون العاقبة لنا).