Skip to content

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني قصة أبي قلابة في الصبر على البلاء

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Printed page ٩٤/ ٧

قصة أبي قلابة في الصبر على البلاء

وفي هذا قصة رواها الإمام ابن حبان في كتاب الثقات عن الإمام أبي قلابة الجرمي.

عن عبد الله بن محمد قال: كنت مرابطاً بعريش مصر فمررت على خيمة فإذا أنا برجل ذهبت يداه ورجلاه، وبصره، وثقل سمعه، فسمعته يقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]، فقلت: سبحان الله! ما هذا الذي يقوله الرجل، أعلمٌ علمه؟ والله لآتين هذا الرجل، فأتيته فقلت: يا عبد الله! سمعتك تقول كذا وكذا، أي شيء تحمد الله عليه، قال: يا عبد الله! لو أرسل الله الجبال فدمرتني، وأرسل إلي البحر فأغرقني ما ازددت لربي إلا شكراً على هذا اللسان الذاكر، وهذا القلب الشاكر.

ثم قال: إن لي ولداً كان يوضئني، وكان يطعمني ويقوم على أمري وقد افتقدته منذُ ثلاثة أيام فابحث لي عنه، فقلت: والله ما سعى إنسان في حاجة آخر أفضل منك، قال: وذهبت أبحث عن الولد، فما مضيت غير بعيد إلا ووجدت عظامه بين كثبان من الرمل قد افترسه سبع، قال: فركبني الغم، وقلت: ماذا أقول للرجل، وهو في هذا البلاء العظيم؟ قال: فجعلت أفكر ماذا أقول له، فتذكرت أيوب ﵇؟ قال: فجئت فسلمت عليه، قال: ألست بصاحبي؟ قلت: بلى.

قال: ما فعل ولدي، قلت يا عبد الله! أتعرف أيوب ﵇؟ قال: نعم.

قلت: ما تعرف عنه؟ قال: ابتلاه الله ثمانية عشر عاماً، قلت: فكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، وليس هذا فحسب إنما ابتلاه بأهله وابتلاه بماله، فوجده صابراً، فقل ماذا تريد؟ قلت: احتسب ولدك، فإني وجدت عظامه بين كثبان الرمل، قال: فشهق شهقةً وقال: الحمد لله الذي لم يخلق مني ذريةً إلى النار ومات.

قال: فركبني غم، وقلت: ماذا أفعل بالرجل؟ فلا أملك له شيئاً، إن تركته أكلته السباع، فمر قطاع طرق، فوجدوني أبكي بعدما سجيته فقالوا: مالك وما قصتك، ومن هذا الرجل، فكشفوا عنه فإذا هو أبو قلابة الجرمي، فقالوا: بأبي عينٌ طالما غضت عن محارم الله وبأبي جسمٌ طالما عانا في طاعة الله، قال: فسجيته ودفناه، وذهبت إلى رباطي، فلما نمت رأيته في منامي في أحسن حالة، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى.

قلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة، وقيل لي: سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

وأبو قلابة الجرمي أحد الأئمة الثقات، من الرواة عن أنس بن مالك، ثقةٌ، حافظ.

فهذا البلاء المنوط بالأولياء هو نعمة من الله ﷾ عليهم كما هو واضح في قصة أبي قلابة الجرمي، وقصة هاجر وإسماعيل ﵉.

وعاشت هاجر وإسماعيل في هذا الوادي، وبينما قبيلة جرهم تمر في طريقها إلى بلدها، إذا رأوا طائراً يطير ويحوم فقالوا: لا يحوم هذا الطير إلا على ماء، فأرسلوا جرياً لهم أو جريين يعني: رسولاً -يبحثون عن ماء فوجدوا أم إسماعيل ووجدوا الماء هناك، فجاءوا واستأذنوا أن يسكنوا حول الماء، فقالت: نعم، اسكنوا ولكن لا حق لكم في الماء فوافقوا، وبنوا لها بيتاً وسكنت، وشب إسماعيل ﵇ في هذه القبيلة، وتعلم منها العربية وقد جاء في بعض الآثار أن إسماعيل ﵇ هو أول من تكلم بالعربية، وفي هذا الحديث: أن جرهم هي التي علمته العربية.

فجمع العلماء بين الحديثين، وقالوا: أول من تكلم بالعربية الفصيحة المعربة هو إسماعيل، ومطلق التكلم باللغة العربية كان جرهم.

وسكنت قبيلة جرهم مع هاجر وإسماعيل ﵉، وكبر إسماعيل فيهم وكان ذا خلق رفيع، فكان كل بيت يريدون أن يزوجوه ابنتهم، وتزوج إسماعيل ﵇ امرأة منهم.