لقاء الباب المفتوح
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم)
نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على ما تيسر من تفسير قول الله ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] , هذه الآية كما تعلمون جاءت بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] .
وسبب ما سبق: أن النبي ﷺ بلغه عن قوم ما ليس فيهم, فأمره الله تعالى بالتأكد من الأخبار إذا جاء بها من لا تعرف عدالته, وكأن بعض الصحابة ﵃ أرادوا من النبي ﷺ أن يعاقب هؤلاء الذين بلغه عنهم ما بلغه, ولكن النبي ﷺ لم يفعل بعد أن نزلت عليه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] .
ولكن العبرة بعموم اللفظ, وهو قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧] أي: لشق عليكم ما تطلبونه من الرسول ﷺ.
وهذا له أمثلة كثيرة: - منها: أن النبي ﷺ قام بأصحابه في رمضان يصلي بهم صلاة القيام, فانصرف وقد بقي من الليل ما بقي, قالوا: (يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -أي: طلبوا منه أن يقيم بهم كل الليل- ولكنه ﷺ قال لهم: من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ولم يوافقهم على طلبهم, لما في ذلك من العنت والمشقة.
ومنها: أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ بحثوا عن عمله في السر -أي: فيما لا يظهر للناس- وهو العمل الذي يفعله في بيته من العبادات فكأنهم تقالُّوها, فقالوا: إن رسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -يعني: وأما هم فلم يكن لهم ذلك- فقال أحدهم: (أنا أصوم ولا أفطر, وقال الثاني: وأنا أقوم ولا أنام, وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء, فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: فأما أنا فأصوم وأفطر, وأقوم وأنام, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني) فحذرهم أن يعملوا عملاً يشق عليهم.
ومن ذلك أيضاً: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه أنه بلغ النبي ﷺ: (أنه ليصومن النهار وليقومن الليل ما عاش, فدعاه النبي ﷺ قال: أنت قلت هذا؟ قال: نعم, قال: إنك لا تطيق ذلك) ثم أرشده إلى ما هو أفضل وأهون.
والحاصل: أنه يوجد من الصحابة ﵃ من له همة عالية, لكن الرسول ﵊ لا يطيعهم في كثير من الأمر, لأن ذلك يشق عليهم إذا أطاعهم.