Skip to content

شرح مقامات الحريري [توارد الخواطر]

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Printed page ٢/ ١٧١

فالتفت الوالي إلى الغلام وقال: تبّا لك من خرّيج مارق، وتلميذ سارق! فقال الفتى: برئت من الأدب وبنيه، ولحقت بمن يناويه، ويقوّض مبانيه؛ إن كانت أبياته نمت إلى علمي، قبل أن ألّفت نظمي؛ وإنما اتّفق توارد الخاطر، كما قد يقع الحافر على الحافر.

***

قوله: أقدم أي تقدم. لؤمه في الجزاء: يريد أنه جازاه على ما فعل معه من الخير مجازاة لئيم، فسرق شعره. السداسية الأجزاء، لأن عروضها من الكامل، وأجزاؤها متفاعلن ست مرات. الرّزء: المصاب. فلذ: قطع. أرعني سمعك: أي اسمع مني.

ذرعك: بالك وقلبك. أصلت: جرد سيفه. تتصعّد: تتطلع إلى فوق. الخرّيج: الذي خرّجه معلمه، وفلان خرّيجك، أي الذي خرج بتهذيبك وتعليمك. مارق: خارج عن الطاعة. وتلميذ: طالب متعلم. برئت: زلت وانفصلت. يناويه: يعاديه. يقوّض: يهدم.

نمت: اتصلت. ونميت الحديث: أسندته. ألّفت نظمي: جمعت شعري.

توارد الخواطر:

تواطؤ الأذهان، أي وقع لذهن الفتى من الكلام ما وقع لذهن الشيخ، مثل الحافر الذي وقع على الحافر.

وهذا الكلام يعزى لأبي الطيب المتنبي، وسئل عن اتفاقات الخواطر، فقال: الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربّما اتفق توارد الخواطر، كما قد يقع الحافر على الحافر.

قال الأصمعي رحمه الله تعالى: قلت عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق أحدهما صاحبه، ولا سمع شعره؟ فقال لي: تلك عقول رجال توافقت على ألسنتها.

[توارد الخواطر]

ومن مشهور ذلك ما وقع في القصيدتين البائيتين لامرئ القيس وعلقمة، وكذلك اتفاقه مع طرفة في قوله: [الطويل]

وقوفا بها صحبي على مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد (١)

وقال امرؤ القيس وتجمّل (٢).