سيرة ابن هشام - ت طه عبد الرؤوف سعد
ذِكْرُ مَنْ اعتلَّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بعد الهجرة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُروة، وعُمر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُروة، عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا قدِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأَ أرضِ اللَّهِ مِنْ الْحُمَّى. فَأَصَابَ أصحابَه مِنْهَا بلاءٌ وسَقَمٌ. فَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ قَالَتْ: فَكَانَ أبو بكر، عامر بْنُ فُهَيْرَة، وَبِلَالٍ، مَوْلَيَا أَبِي بَكْرٍ، مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ. فَأَصَابَتْهُمْ الْحُمَّى، فدخلتُ عَلَيْهِمْ أَعُودُهُمْ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَب عَلَيْنَا الحجابُ. وَبِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ مِنْ شِدَّةِ الوَعْك. فدنوتُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ. فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أبتِ؟ فَقَالَ:
كلُّ امْرِئٍ مُصَبَّح فِي أهلِهِ ... والموتُ أدْنَى مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ
قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُولُ: قَالَتْ: ثُمَّ دنوتُ إلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرة فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ؟ فَقَالَ:
لَقَدْ وجدتُ الموتَ قبلَ ذَوْقِه ... إنَّ الجبانَ حَتْفهُ مِنْ فَوْقهِ
كلُّ امْرِئٍ مُجَاهَدٌ بطَوْقِهِ ... كالثَّوْرِ يَحْمِي جلدهَ برَوْقهِ١
بِطَوْقِهِ يُرِيدُ: بِطَاقَتِهِ. فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَتْ: فقلتُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عَامِرٌ مَا يَقُولُ! قَالَتْ: وَكَانَ بِلَالٌ إذَا تَرَكَتْهُ الْحُمَّى اضْطَجع بِفِنَاءِ الْبَيْتِ ثُمَّ رَفَعَ عقيرتَه فَقَالَ:
أَلَا ليتَ شِعْري هَلْ أبيتنَّ لَيْلَةً ... بفَخ وَحَوْلِي إِذْخر وجليلُ٢
وَهَلْ أرِدَنْ يَوْمًا مياهَ مجنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وطُفيل٣
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَامَةٌ وَطُفَيْلٌ: جَبَلَانِ بِمَكَّةَ.
دُعَاءُ الرَّسُولِ ﷺ بِنَقْلِ وَبَاءِ الْمَدِينَةِ إلَى مَهْيَعَةَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فذكرتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ. فَقُلْتُ: إنَّهُمْ ليهْذُون وَمَا يَعْقِلون مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المدينةَ كَمَا حَبَّبت