التمذهب – دراسة نظرية نقدية
(المشترطين لعلم الكلام)، فأقولُ: يصعبُ الجزمُ بنوعِ الخلافِ؛ لعدمِ وقوفي على أدلةِ المشترطين؛ مع أنَّ الظاهرَ أنَّ الخلافَ بينهما خلافٌ معنوي؛ لأنَّ إمامَ الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨ هـ) لما عَرَضَ كلامَ أبي بكرٍ الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) - وهو قريب من زمنه - لم يُشْرِ إلى ما قد يُفهمُ منه أنَّ الخلافَ لفظي، بل ردَّ إمامُ الحرمين قولَ القاضي الباقلاني؛ لمخالفتِه للدليلِ.
• سبب الخلاف:
أشارَ ابنُ رشدٍ (١) إلى ما يُمكنُ جعلُه سببًا للخلافِ، فقالَ: "وقد اشترطوا مع هذا أنْ يكونَ عالمًا بعلمِ الكلامِ ... وهذا إنَّما يلزمُ على رأي مَنْ يرى أنَّ أولَ الواجباتِ النظرُ والاستدلالُ، وأمَّا مَنْ لا يرى ذلك، فيكفيه الإيمانُ بمجرّدِ الشرعِ، دونَ نَظَرِ العقلِ" (٢).
فمَنْ قال: إنَّ أولَ واجبٍ على المكلّفِ هو النظرُ، أَوْجَبَ على المجتهدِ معرفةَ علمِ الكلامِ، وهذا ما اتجه إليه أصحابُ القولِ الثاني.
ومَنْ قال: ليس أول واجبٍ على المكلفِ النظرَ، وإنَّما يُقررُ أنَّ أولَ واجبٍ هو الشهادتان، لم يُوجِبْ على المكلّفِ معرفةَ علمِ الكلامِ، وهذا ما اتجه إليه أصحابُ القولِ الثالثِ.