منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب
بعض أمره قال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا ((١). والإنسان بطبيعته يحب التلطف والرفق، ويقبل ممن يتصف بهما ما لا يقبله ممن يتصف بالعنف والشدة، فكم من مدعو أخذته العزة بالإثم فيأنف ويصر على إعراضه وكفره، ومن أسباب ذلك عنف وشدة الداعي. وقد كان الرسول ﷺ رفيقاً حليماً رحيماً بالمدعوين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢)،
فقد أخبر الله ﷾ نبيه ﷺ أن من أسباب اجتماع الناس عليه وقبولهم لدعوته هو عدم الغلظة في تعامله معهم، وفي هذا دليل على أن الرفق له أثر بيِّن وأهمية كبيرة في مجال الدعوة؛ لذلك جعل الصحابة ﵃ الرفق من الضوابط التي يتم من خلالها السيطرة والمحافظة على المنهج الصحيح للدعوة، ويتمثل ذلك في موقف مصعب بن عمير ﵁ عندما دعا أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ ﵄، فعندما حضرا إليه متشتمين لم يغلظ لهما ويرد لهما الشتيمة، إنما ألان لهما القول ورفق بهما، وقال لهما كلاً على حدة: "أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً رغبت فيه وقبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره"، فقال في ذلك قولاً ليناً رفيقاً جعل كلاً منهما يستمع إلى الدعوة ويقبلها، كيف لا وقد أمر الله ﷾ موسى ﵇ بأن يخاطب فرعون بالقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣)، وذلك تبيان لتأثير الرفق واللين في المدعو.