Skip to content

عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء)

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Printed page ٤/ ٥٠

فَكَذَلِك نَبينَا حَاله مثل ذَلِك، حَيْثُ فتح مَكَّة وقهر المتجبرين الْمُسْتَهْزِئِينَ من قُرَيْش. ومُوسَى: هُوَ عمرَان بن قاهث بن يصهر بن لاوي بن يَعْقُوب ﵊.

وَأما عِيسَى، ﵊، فَإِن الْيَهُود راموا قَتله، فرفعه اإليه، فَكَذَلِك نَبينَا، فَإِن الْيَهُود أَرَادوا قَتله حِين سموا لَهُ الشَّاة، فَنَجَّاهُ اتعالى من ذَلِك. وَاسم عِيسَى عبراني، وَقيل سرياني.

وَأما يحيى، ﵊، فَإِن نَبينَا رَآهُ مَعَ عِيسَى فِي السَّمَاء، وَإنَّهُ رأى من الْيَهُود مَا لَا يُوصف حَتَّى ذبحوه، فَكَذَلِك نَبينَا رأى من قُرَيْش مَا لَا يُوصف، وَلَكِن اتعالى نجاه مِنْهُم.

وَأما يُوسُف، ﵊، فَإِنَّهُ عَفا عَن إخْوَته حَيْثُ قَالَ: ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم﴾ (يُوسُف: ٢٩) الْآيَة، فَكَذَلِك نَبينَا عَفا عَن قُرَيْش يَوْم فتح مَكَّة.

وَأما هَارُون، ﵊، فَإِنَّهُ كَانَ محبباً إِلَى بني إِسْرَائِيل، حَتَّى إِن قومه كَانُوا يؤثرونه على مُوسَى، ﵊، فَكَذَلِك كَانَ نَبينَا ثمَّ صَار محبباً عِنْد سَائِر الْخلق.

وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله فِي الحَدِيث: لم يثبت كَيفَ مَنَازِلهمْ، يُخَالِفهُ كلمة؛ ثمَّ الَّتِي للتَّرْتِيب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِمَّا أَن أنسا لم يرو هَذَا عَن أبي ذَر، وَإِمَّا أَن يُقَال: لَا يلْزم مِنْهُ تعْيين مَنَازِلهمْ لبَقَاء الْإِبْهَام فِيهِ، لِأَن بَين آدم وَإِبْرَاهِيم ثَلَاثَة من الْأَنْبِيَاء وَأَرْبَعَة من السَّمَوَات أَو خَمْسَة، إِذْ جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّابِعَة.

وَمِنْهَا مَا قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي﴾ (ق: ٩٢) لم لَا يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: لَا ينقص عَن الْخمس وَلَا يُبدل الْخمس إِلَى أقل من ذَلِك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يُنَاسب لفظ: (استحييت من رَبِّي) ، فَإِن قيل: ألم يُبدل القَوْل لَدَيْهِ حَيْثُ جعل الْخمسين خمْسا؟ أُجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ لَا يُبدل الإخبارات، مثل أَن ثَوَاب الْخمس خَمْسُونَ لَا التكليفات، أَو لَا يُبدل الْقَضَاء المبرم لَا الْقَضَاء الْمُعَلق الَّذِي يمحو اما يَشَاء مِنْهُ وَيثبت مِنْهُ، أَو مَعْنَاهُ: لَا يُبدل القَوْل بعد ذَلِك.

وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْإِسْرَاء كَانَ لَيْلًا بِالنَّصِّ، فَمَا الْحِكْمَة فِي كَونه لَيْلًا؟ وَأجِيب: بأوجه: الأول: أَنه وَقت الْخلْوَة والاختصاص ومجالسة الْمُلُوك، وَهُوَ أشرف من مجالستهم نَهَارا، وَهُوَ وَقت مُنَاجَاة الْأَحِبَّة. الثَّانِي: أَن اتعالى أكْرم جمَاعَة من أنبيائه بأنواع الكرامات لَيْلًا، قَالَ تَعَالَى فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵊ ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكباً﴾ (الْأَنْعَام: ٦٧) وَفِي قصَّة لوط، ﵊، ﴿فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل﴾ (هود: ١٨، وَالْحجر: ٥٦) وَفِي قصَّة يَعْقُوب، ﵊: ﴿سَوف اسْتغْفر لكم رَبِّي﴾ (يُوسُف: ٨٩) وَكَانَ آخر دُعَائِهِ وَقت السحر من لَيْلَة الْجُمُعَة، وَقرب مُوسَى نجياً لَيْلًا، وَذَلِكَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا﴾ (طه: ٠١، والقصص: ٩٢) وَقَالَ: ﴿وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٤١) . وَقَالَ لَهُ لما أمره بِخُرُوجِهِ من مصر ببني إِسْرَائِيل: ﴿فَأسر بعبادي لَيْلًا إِنَّكُم متبعون﴾ (الدُّخان: ٣٢) . وَأكْرم نَبينَا أَيْضا لَيْلًا بِأُمُور مِنْهَا: انْشِقَاق الْقَمَر، وإيمان الْجِنّ بِهِ، وَرَأى الصَّحَابَة آثَار نيرانهم كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) وَخرج إِلَى الْغَار لَيْلًا. الثَّالِث: أَن اتعالى قدم ذكر اللَّيْل على النَّهَار فِي غير مَا آيَة فَقَالَ: ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٢١) وَقَالَ: ﴿وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار﴾ (يس: ٠٤) وَلَيْلَة النَّحْر تغني عَن الْوُقُوف نَهَارا. الرَّابِع: أَن اللَّيْل أصل، وَلِهَذَا كَانَ أول الشُّهُور، وسواده يجمع ضوء الْبَصَر وَيحد كليل النّظر ويستلذ فِيهِ بالسمر ويجتلى فِيهِ وَجه الْقَمَر. الْخَامِس: أَنه لَا ليل إلَاّ وَمَعَهُ نَهَار، وَقد يكون نَهَار بِلَا ليل، وَهُوَ: يَوْم الْقِيَامَة الَّذِي مِقْدَاره خمسين ألف سنة. السَّادِس: أَن اللَّيْل مَحل استجابة الدُّعَاء والغفران وَالعطَاء. فَإِن قلت: ورد فِي الحَدِيث: (خير يَوْم طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس يَوْم عَرَفَة، أَو يَوْم الْجُمُعَة) قلت: قَالُوا ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَيَّام. قلت: لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر، وَقد دخل فِي هَذِه اللَّيْلَة أَرْبَعَة آلَاف جُمُعَة بِالْحِسَابِ الْجملِي، فَتَأمل هَذَا الْفضل الْخَفي. السَّابِع: أَن أَكثر أَسْفَاره كَانَ لَيْلًا، وَقَالَ: (عَلَيْكُم بالدلجة فَإِن الأَرْض تطوى بِاللَّيْلِ) . وَالثَّامِن: لينفي عَنهُ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي عِيسَى، ﵊، من الْبُنُوَّة لما رفع نَهَارا تَعَالَى اعن ذَلِك. التَّاسِع: لِأَن اللَّيْل وَقت الِاجْتِهَاد لِلْعِبَادَةِ، وَكَانَ قَامَ حَتَّى تورمت قدماه. وَكَانَ قيام اللَّيْل فِي حَقه وَاجِبا وَقَالَ فِي حَقه: ﴿يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إلاّ قَلِيلا﴾ (المزمل: ١ ٢) فَلَمَّا كَانَت عِبَادَته لَيْلًا أَكثر أكْرم بالإسراء فِيهِ، وَأمره بقوله: ﴿وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٧) . الْعَاشِر: ليَكُون أجر الْمُصدق بِهِ أَكثر، ليدْخل فِيمَن آمن بِالْغَيْبِ دون من عاينه نَهَارا.

وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه ذكر فِي هَذَا الحَدِيث أَن صَدره غسل بِمَاء زَمْزَم، وَقَلبه بالثلج؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ غسل بالثلج أَولا ليثلج الْيَقِين إِلَى قلبه، وَهَذِه لدُخُول الحضرة القدسية، وَقيل: فعل بِهِ ذَلِك فِي حَال صغره ليصير قلبه مثل قُلُوب الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الانشراح. وَالثَّانيَِة: ليصير حَاله مثل حَال الْمَلَائِكَة.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا كَانَت الْحِكْمَة فِي الْإِسْرَاء؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ للمناجاة، وَلِهَذَا كَانَ من غير مواعدة، وَهَذَا أوقع وَأعظم، وَكَانَ التكليم