عمدة القاري شرح صحيح البخاري
وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ المُهَيْمِنُ الأَمِينُ القُرْآنُ أمِينٌ علَى كلِّ كِتابٍ قَبْلَهُ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ (الْمَائِدَة: ٨٤) وَفسّر الْمُهَيْمِن بالأمين، وَمن أَسمَاء الله تَعَالَى: الْمُهَيْمِن، قيل: أَصله مؤيمن فَقبلت الْهمزَة هَاء كَمَا قبلت فِي أرقت. هرقت، وَمَعْنَاهُ: الْأمين الصَّادِق وعده، وَذكر لَهُ معَان أخر. قَوْله: (الْقُرْآن أَمِين على كل كتاب قبله) يَعْنِي: من الْكتب والصحف الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء وَالرسل، ﵈، وَأثر ابْن عَبَّاس هَذَا رَوَاهُ عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعت التَّمِيمِي عَن ابْن عَبَّاس.
٩٧٩٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اعنْ شْيْبَانِ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَة، قَالَ: أخبرَتْنِي عائِشَةُ وابنَ عَبَّاسٍ، ﵃، قَالَا: لَبِثَ النبيُّ ﷺ، بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَليْهِ القُرْآنُ وبالمَدِينةِ عَشْرا..
مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة الظَّاهِرَة وشيبان أَبُو معوية النَّحْوِيّ؛ وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي.
قَوْله: (عشرا) مُهِمّ كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عشر سِنِين، يذكر مميزه وَهُوَ يُفَسر الْإِبْهَام الْمَذْكُور، فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا مَا ذكره أَيْضا من حدث ابْن عُيَيْنَة: سَمِعت عَمْرو بن دِينَار: قلت لعروة إِن ابْن عَبَّاس يَقُول: لبث النَّبِي ﷺ بِمَكَّة بضع عشر سنة قلت يحمل الأول على أَنه من حَيْثُ حمي الْوَحْي وتتابع وَرِوَايَة مقَامه بِمَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة يُرِيد من حِين الْبعْثَة، وَقيل: يحمل على أَن إسْرَافيل، ﵇، وكل بِهِ ﷺ ثَلَاث سِنِين ثمَّ جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ بِالْقُرْآنِ.
٠٨٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أبي عَن عُثْمانَ، قَالَ: أُنْبِئْتُ أنَّ جبْريلَ أتَى النبيَّ ﷺ وعِنْدَهُ أُمُّ سَلمَةَ، فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لأمِّ سَلَمَةَ: مَنْ هاذَا؟ أوْ كَمَا قَالَ؟ قالَتْ: هاذَا دِحْيَةُ، فلَمَّا قامَ قالَتْ: وَالله مَا حَسِبْتُهُ إلَاّ إيَّاهُ حتَّى سمِعْتُ خُطْبَةَ النبيِّ ﷺ، يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ، أوْ كَما قَالَ: قَالَ أبي: قُلْتُ لأبي عُثْمانَ. مِمَّنْ سَمِعْتَ هذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ..
هَذَا أَيْضا يُطَابق الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة، ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان التَّمِيمِي، يروي عَن أَبِيه عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن الْهِنْدِيّ، بِفَتْح النُّون؟ والْحَدِيث قد مُضر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبَّاس بن الْوَلِيد النَّرْسِي.
قَوْله: (أنبئت) على صِيغَة الْمَجْهُول من الإنباء أَي: أخْبرت. قَوْله: (أَو كَمَا قَالَ) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (مَا حسبته إلَاّ إِيَّاه) كَلَام أم سَلمَة قَوْله: (يخبر خبر جِبْرِيل ﵊ ويروي بِخَبَر جِبْرِيل بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة مُسلم: فَقَالَت: أَيمن الله مَا حسبته إلَاّ إِيَّاه. قَوْله: (إلَاّ إِيَّاه) أَي: دحْيَة. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون هَذَا فِي قصَّة بني قُرَيْظَة فقد وَقع فِي دَلَائِل الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِي ﷺ يكلم رجلا وَهُوَ رَاكب، فَلَمَّا دخل قلت: من هَذَا الَّذِي كنت تكَلمه؟ قَالَ: بِمن تشبهين؟ قلت: بِدِحْيَةَ. قَالَ: ذَاك جِبْرِيل ﵇، يَأْمُرنِي أَن أمضي إِلَى بني قُرَيْظَة. قلت: هَذَا بعيد من وُجُوه: الأول: أَن الرائية فِي حَدِيث الْبَاب أم سَلمَة وَهنا عَائِشَة. وَالثَّانِي: فِيهِ اخْتِلَاف الروَاة عَنْهُمَا الثَّالِث: أَن الظَّاهِر أَن أم سَلمَة رَأَتْهُ فِي بَيتهَا وَعَائِشَة رَأَتْهُ خَارج بَيتهَا لقولها. فَلَمَّا دخل، وَأَنَّهَا رَأَتْهُ وَهُوَ رَاكب، فعلى كل الْوُجُوه لَا دلَالَة على أَن قصَّة أم سَلمَة كَانَت فِي قصَّة بني قُرَيْظَة، وَالله أعلم. قَوْله: (قَالَ أبي) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: قَالَ مُعْتَمر بن سُلَيْمَان. قَالَ أبي: لأبي عُثْمَان، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور: مِمَّن سَمِعت هَذَا الحَدِيث؟ قَالَ: سمعته من أُسَامَة بن زيد الصَّحَابِيّ، حب رَسُول الله ﷺ، وَذكر أَبُو مَسْعُود هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أُسَامَة وَكَذَلِكَ الْحَافِظ