عمدة القاري شرح صحيح البخاري
جَعْفَر الْمَنْصُور على نهر جيحان وَهُوَ الَّذِي تسميه الْقَوْم جاهان. وَقَالَ الْبكْرِيّ: ثغر من ثغور الشَّام. قلت: رَأَيْتهَا فِي سفرتي إِلَى بِلَاد الرّوم وغالبها خراب، وَهِي فِي بِلَاد الأرمن بِالْقربِ من مَدِينَة تسمى أذنة، وَإِنَّمَا قَالَ: بِالْمصِّيصَةِ، لِأَن حجاج بن مُحَمَّد سكن المصيصة وَأَصله ترمذي وَمَات بِبَغْدَاد سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ. قَوْله: (بالهاجرة) ، وَهِي: نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر. قَوْله: (إِلَى الْبَطْحَاء) ، وَهُوَ المسيل الْوَاسِع الَّذِي فِيهِ دقاق الْحَصَى. قَوْله: (عنزة) ، بِفَتْح النُّون: أطول من الْعَصَا وأقصر من الرمْح وَفِيه زج. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة) ، هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (وَزَاد فِيهِ عون) ، أَي: زَاد الحكم فِي إِسْنَاد الحَدِيث: حَدثنَا عون عَن أَبِيه عَن أبي جُحَيْفَة، وَيَأْتِي هَذَا فِي آخر الْبَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمَا وَقع فِي بعض النّسخ: عون عَن أَبِيه عَن أبي جُحَيْفَة، سَهْو لِأَن عوناً هُوَ ابْن أبي جُحَيْفَة، وَالصَّوَاب نقص الْأَب. قلت: فِي كتاب الصَّلَاة الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: حَدثنَا عون ابْن أبي جُحَيْفَة عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت أبي، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله، ﷺ ... الحَدِيث، وَهنا عون عَن أَبِيه عَن أبي جُحَيْفَة، فَلفظ: عَن أَبِيه، حَشْو لَا طائل تَحْتَهُ، وَالصَّوَاب ترك هَذِه اللَّفْظَة. قَوْله: (فَإِذا هِيَ) ، أَي: يَده أبرد من الثَّلج، وَالْحكمَة فِيهِ أَن برودة يَده تدل على سَلامَة جسده من الْعِلَل والعوارض. قَوْله: (وَأطيب رَائِحَة من الْمسك) ، قَالَت الْعلمَاء: كَانَت هَذِه الرّيح الطّيبَة صفته، ﷺ، وَإِن لم يمس طيبا، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يسْتَعْمل الطّيب فِي كثير من الْأَوْقَات مُبَالغَة فِي طيب رِيحه لملاقاة الْمَلَائِكَة وَأخذ الْوَحْي الْكَرِيم ومجالسة الْمُسلمين، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث وَائِل بن حجر: (أُتِي رَسُول الله ﷺ بِدَلْو من مَاء فَشرب مِنْهُ ثمَّ مج فِي الدَّلْو ثمَّ فِي الْبِئْر، ففاح مِنْهَا ريح الْمسك) . وروى أَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ رَسُول الله، ﷺ: (إِذا مر فِي طَرِيق من طرق الْمَدِينَة وجد مِنْهُ رَائِحَة الْمسك، فَيُقَال: مر رَسُول الله، ﷺ من هَذِه الطَّرِيق) .
٤٥٥٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخبَرَنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ وأجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رمَضَانَ حِينَ يلْقَاهُ جِبرِيلُ وكانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْقَاهُ فِي كلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ فلَرَسُولُ الله ﷺ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المرْسَلَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كَونه ﷺ مَوْصُوفا بالجود. وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَهَذَا الحَدِيث مر فِي أَوَائِل: بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين: أَحدهمَا عَن عَبْدَانِ أَيْضا إِلَى آخِره، نَحوه. وَالْآخر: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الصّيام فِي: بَاب أَجود مَا يكون النَّبِي ﷺ يكون فِي رَمَضَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره. قَوْله: (أَجود النَّاس) أَي: أَعْطَاهُم وَأكْرمهمْ. قَوْله: (من الرّيح الْمُرْسلَة) أَي: المبعوثة لنفع النَّاس.
٥٥٥ - حدَّثنا يَحْيَى حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرنِي ابنُ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ رسُولَ الله ﷺ دَخَلَ علَيْهَا مَسْرُوراً تَبْرُقُ أسَارِيرُ وجْهِهِ فَقَالَ ألَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ المُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وأُسَامَةَ ورَأي أقْدَامَهُمَا إنَّ بَعْضَ هاذِهِ الأقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تبرق أسارير وَجهه) فَإِن هَذَا من جملَة صِفَاته، ﷺ، وَيحيى: إِمَّا ابْن مُوسَى بن عبد ربه السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَإِمَّا يحيى بن جَعْفَر ابْن أعين البيكندي، وَكِلَاهُمَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَكِلَاهُمَا رويا عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج.