Skip to content

عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (باب قول الله تعالى ﴿كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكرياء إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا﴾ إلى قوله ﴿لم نجعل له من قبل سميا﴾

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Printed page ١٦/ ٢١

من الْكبر عتياً﴾ (مَرْيَم: ٨) . وَفَسرهُ بقوله: عصياً، وَذكره بالصَّاد الْمُهْملَة وَالصَّوَاب بِالسِّين الْمُهْملَة، وروى الطَّبَرِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُول الله، ﷺ يقْرَأ عتياً أَو عسياً؟ يُقَال: قَرَأَ مُجَاهِد: عسياً بِالسِّين، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: عتا الشَّيْخ يعتو عتياً، بِضَم الْعين وَكسرهَا: كبر وَولى، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عسا الشَّيْخ يعسو عسياً، ولى وَكبر مثل: عتا، وَقَالَ قَتَادَة: العتو نحول الْعظم، يُقَال: ملك عَاتٍ: إِذا كَانَ قاسي الْقلب غير لين، وَعَن أبي عُبَيْدَة: كل مبالغ فِي شَرّ أَو كفر فقد عتا وعسا، وَيُقَال: عتا الْعود وعسا من أجل الْكبر والطعن فِي السن الْعَالِيَة، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: ﴿وَقد بلغت من الْكبر عتياً﴾ (مَرْيَم: ٨) . بِكَسْر الْعين وَالْبَاقُونَ بضَمهَا. قَوْله: (عتا يعتو) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه من بَاب فعل يفعل، مثل: غزا يَغْزُو، من معتل اللَّام الواوي.

﴿قالَ رَبِّ أنَّى يَكُونَ لِي غُلَامٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيَّاً﴾ (مَرْيَم: ٨ ٠١) . ويُقَالُ صَحِيحاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً وَقد بلغت من الْكبر عتيا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ على هَين وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا قَالَ رب اجْعَل لي آيَة قَالَ آيتك أَن لَا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سوياً﴾ (مَرْيَم: ٨ ٠١) . قَوْله: (قَالَ رب) أَي: قَالَ زَكَرِيَّا: يَا رب أنَّى يكون لي غُلَام؟ أَي: من أَيْن يكون لي غُلَام؟ وَكَيف يكون لي غُلَام وَالْحَال أَن امْرَأَتي عَاقِر وَأَنا قد بلغت من الْكبر عتياً؟ قَوْله: (قَالَ كَذَلِك) ، أَي: قَالَ جِبْرِيل ﷺ: إِن الْأَمر كَذَلِك كَمَا قيل لَك من هبة الْوَلَد على الْكبر. قَوْله: (هُوَ عليَّ هيِّن) ، أَي: خلقه عليّ هيّن بِأَن أرد عَلَيْك قوتك حَتَّى تقوى على الْجِمَاع، وأفتق رحم امْرَأَتك. قَوْله: (قد خلقتك من قبل) ، أَي: أوجدتك من قبل يحيى وَلم تَكُ شَيْئا، لِأَن الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء أَو شَيْئا لَا يعْتد بِهِ. قَوْله: (قَالَ: رب) ، أَي: قَالَ زَكَرِيَّا: يَا رب إجعل لي آيَة أَي: عَلامَة على حمل امْرَأَتي. قَوْله: (قَالَ آيتك) أَي: قَالَ الله، ﷿: علامتك أَن لَا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سوياً مَنْصُوب على الْحَال، أَي: وَأَنت صَحِيح سليم الْجَوَارِح عَن سوء الْخلق مَا بك خرس وَلَا بكم، وَدلّ ذكر اللَّيَالِي هُنَا وَالْأَيَّام فِي آل عمرَان، على أَن الْمَنْع من الْكَلَام اسْتمرّ بِهِ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن.

فخَرَجَ علَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فأوْحَى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيَّاً﴾ (مَرْيَم: ١١) . فأوْحَى فأشارَ

أَي: فَخرج زَكَرِيَّا وَكَانَ النَّاس من وَرَاء الْمِحْرَاب ينتظرون أَنه يفتح لَهُم الْبَاب فَيدْخلُونَ وَيصلونَ، إِذْ خرج إِلَيْهِم زَكَرِيَّا متغير اللَّوْن فأنكروه، فَقَالُوا لَهُ: يَا زَكَرِيَّا! مَالك؟ فَأوحى إِلَيْهِم، أَي: أَشَارَ إِلَيْهِم بِيَدِهِ وَرَأسه. قَالَه مُجَاهِد: وَعَن ابْن عَبَّاس: فَكتب إِلَيْهِم فِي كتاب، وَقيل: على الأَرْض. قَوْله: (أَن سبحوا) ، وَكلمَة: أَن، هِيَ المفسرة أَي: صلوا لله بكرَة وعشياً، وَهَذَا فِي صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي حملت امْرَأَته، فَلَمَّا حملت امْرَأَته أَمرهم بِالصَّلَاةِ إِشَارَة.

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا﴾ (مَرْيَم: ٢١ ٥١) .

أَي: إقرأ الْآيَة إِلَى قَوْله: (وَيَوْم يبْعَث حَيا) . وَهُوَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا وَحَنَانًا من لدنا وَزَكَاة وَكَانَ تقياً وَبرا بِوَالِديهِ وَلم يكن جباراً عصيّاً وَسَلام عَلَيْهِ يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾ (مَرْيَم: ٢١ ٥١) . قَوْله: (يَا يحيى) ، التَّقْدِير: فوهبنا لَهُ يحيى وَقُلْنَا لَهُ: يَا يحيى خُذ الْكتاب، أَي: التَّوْرَاة، وَكَانَ مَأْمُورا بالتمسك بهَا. قَوْله: (الحكم) ، أَي: الْحِكْمَة وَهِي الْفَهم للتوراة وَالْفِقْه فِي الدّين، صَبيا، أَي: حَال كَونه صَبيا، وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ: أَنه سبع سِنِين، وَعَن قَتَادَة وَمُقَاتِل: ثَلَاث سِنِين وَكَانَ ذَلِك معْجزَة بِهِ. قَوْله: (وَحَنَانًا) ، قَالَ الزّجاج: وَآتَيْنَاهُ حناناً، وَقيل: وجعلناه حناناً لأهل زَمَانه، أَي: رَحْمَة لِأَبَوَيْهِ وَغَيرهمَا، وتعطفاً وشفقة. قَوْله: (وَزَكَاة) ، أَي: زِيَادَة فِي الْخَيْر على مَا وصف، وَقيل: طَهَارَة من الذُّنُوب، وَقيل: عملا صَالحا. قَوْله: (تقياً) ، يَعْنِي: مُسلما مخلصاً مُطيعًا. قَوْله: (وبرّاً) أَي: وبارّاً بِوَالِديهِ، لطيفاً بهما، محسناً إِلَيْهِمَا، وَلم يكن جباراً متكبراً. قَوْله: (عصياً) أَي: عَاصِيا لرَبه. قَوْله: (وَسَلام عَلَيْهِ) أَي: سَلام من الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الْأَيَّام، وَإِنَّمَا خص التَّسْلِيم وَالسَّلَام بِهَذِهِ الْأَحْوَال لِأَنَّهَا أصعب الْأَوْقَات وأوحشها.

حَفِيَّاً لَطِيفاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ بِي حفيّاً﴾ (مَرْيَم: ٧٤) . وَفسّر: حفياً، بقوله: لطيفاً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي محتفياً.

عاقِرَاً الذَّكَرُ والأنْثَى سَوَاءٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً﴾ (مَرْيَم: ٥ و ٨) . وَقَالَ: الذّكر وَالْأُنْثَى سَوَاء، يَعْنِي: يُقَال للرجل الَّذِي لَا يلد: عَاقِر، وللمرأة الَّتِي لَا تَلد: عَاقِر.