عمدة القاري شرح صحيح البخاري
فَزَعَمْتَ أنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبِعُوهُ وهُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ
وَجه ذكره عقيب التَّرْجَمَة هُوَ قَوْله: (فَزَعَمت أَن ضعفاءهم اتَّبعُوهُ وهم أَتبَاع الرُّسُل) وَهُوَ طرف من الحَدِيث الطَّوِيل الَّذِي فِي بَدْء الْوَحْي فِي أول الْكتاب، وَاسم أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب ضد الصُّلْح ابْن عبد شمس ابْن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الأومي الْمَكِّيّ، أسلم لَيْلَة الْفَتْح، نزل الْمَدِينَة وَمَات بهَا سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان بن عَفَّان، وَهُوَ وَالِد مُعَاوِيَة. وَقَيْصَر لقب هِرقل مَلَكَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة، فَفِي ملكه مَاتَ النَّبِي ﷺ.
٦٩٨٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ عنْ طَلْحَةَ عنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ قَالَ رأى سَعْدٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ لَهُ فَضْلاً علَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلَاّ بِضُعَفَائِكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أخبر بِأَنَّهُم لَا ينْصرُونَ إلَاّ بالضعفاء وَالصَّالِحِينَ فِي كل شَيْء، عملا بِإِطْلَاق الْكَلَام، وَلَكِن أهم ذَلِك وأقواه أَن يكون فِي الْحَرْب يستعينون بدعائهم ويتبركون بهم.
وَمُحَمّد بن طَلْحَة بن مصرف ابْن عَمْرو اليامي. يروي عَن أَبِيه طَلْحَة بن مصرف، وَهُوَ يروي عَن مُصعب بن سعد بن أبي وَقاص.
قَوْله: (رأى سعد) هُوَ ابْن أبي وَقاص، وَهُوَ وَالِد مُصعب الرَّاوِي عَنهُ، وَصُورَة هَذَا مُرْسل لِأَن مصعباً لم يدْرك زمَان هَذَا القَوْل. لكنه مَحْمُول على أَنه سمع ذَلِك عَن أَبِيه، وَقد وَقع التَّصْرِيح بذلك فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مسعر: عَن طَلْحَة بن مصرف عَن مُصعب عَن أَبِيه قَوْله: رأى، أَي: ظن، وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ. قَوْله: (أَن لَهُ فضلا على من دونه) أَي: من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ، أَي: بِسَبَب شجاعته وَنَحْو ذَلِك من جِهَة الْغنى وَكَثْرَة المَال. قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَل تنْصرُونَ ... ؟) إِلَى آخِره. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا أَرَادَ ﷺ بِهَذَا القَوْل لسعدٍ الحض على التَّوَاضُع، وَنفي الْكبر والزهو على قُلُوب الْمُؤمنِينَ، وَأخْبر، ﷺ، أَن بدعائهم ينْصرُونَ وَيُرْزَقُونَ، لِأَن عِبَادَتهم ودعاءهم أَشد إخلاصاً وَأكْثر خشوعاً لخلو قُلُوبهم من التَّعَلُّق بزخرف الدُّنْيَا وَزينتهَا، وصفاء ضمائرهم عَمَّا يقطعهم عَن الله تَعَالَى: جعلُوا هَمهمْ وَاحِدًا. فزكت أَعْمَالهم، وَأجِيب دعاؤهم. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِنَّمَا ينصر الله هَذِه الْأمة بضعفائهم بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم، وروى عبد الرَّزَّاق عَن مَكْحُول: أَن سَعْدا قَالَ: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت رجلا يكون حامية الْقَوْم وَيدْفَع عَن أَصْحَابه، أَن يكون نصِيبه كنصيب من غَيره؟ فَقَالَ ﷺ: (ثكلتك أمك يَا ابْن سعد، وَهل ترزقون وتنصرون إلَاّ بضعفائكم.
٧٩٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ وأنَّهُ سَمِعَ جابِراً عنْ أبِي سَعيدٍ الْخُدْرِي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يأتِي زَمانٌ يَغْزُو فَئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُقالُ نَعَمْ فَيُفْتحُ عَلَيْهِ ثُمَّ يأتِي زَمانٌ فيُقالُ فِيكُمْ منْ صَحِبَ أصْحَابَ النبِيِّ ﷺ فَيقالُ نَعَمْ فيُفْتَحُ ثُمَّ يَأتِي زَمانٌ فيُقالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صاحِبَ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَيقال نَعَمْ فيُفْتَحُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من صحب النَّبِي ﷺ وَمن صحب أَصْحَاب النَّبِي، وَمن صحب صَاحب أَصْحَاب النَّبِي ﷺ هم ثَلَاثَة: الصَّحَابَة والتابعون وَأَتْبَاع التَّابِعين، حصلت بهم النُّصْرَة لكَوْنهم ضعفاء فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر الدُّنْيَا، أقوياء فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر الْآخِرَة.
وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن دِينَار، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ والصحابي، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه: سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن قُتَيْبَة، وَفِي فَضَائِل الصَّحَابَة عَن عَليّ ابْن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأحمد بن عَبدة، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن سعيد بن يحيى الْأمَوِي عَن أَبِيه.
قَوْله: (فِئَام) ، بِكَسْر الْفَاء وَفتح الْهمزَة، وَيُقَال: فيام، بياء آخر الْحُرُوف مُخَفّفَة، وَفِيه لُغَة أُخْرَى وَهِي: فتح الْفَاء، ذكره