Skip to content

عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (باب تعديل النساء بعضهن بعضا)

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Printed page ١٣/ ٢٣٤

الدرة جمانة. وَقيل: الجمان: الْحِرْز يبيض بِمَاء الْفضة، وَفِي (المغيث) : هُوَ اللُّؤْلُؤ الصَّغِير، وَقَالَ الجواليقي، وَقد جعل لبيد الدرة جمانة فَقَالَ:

(كجمانة البحري سلَّ نظامها)

قَوْلهَا: (فَلَمَّا سري) ، وَهُوَ مشدد مَبْنِيّ لما لم يسم فَاعله وَمَعْنَاهُ: لما كشف وأزيل عَنهُ. قَالَ ابْن دحْيَة: وَنزل عذرها بعد سبع وَثَلَاثِينَ لَيْلَة. قَوْلهَا: (وَالله لَا أقوم إِلَيْهِ) ، قَالَت ذَلِك إدلالاً عَلَيْهِم وعتاباً لكَوْنهم شكوا فِي حَالهَا مَعَ علمهمْ بِحسن طرائفها وَجَمِيل أحوالها وتنزهها عَن هَذَا الْبَاطِل الَّذِي افتراه الظلمَة، لَا حجَّة لَهُم وَلَا شُبْهَة فِيهِ. قَوْلهَا: (لِقَرَابَتِهِ) ، وَذَلِكَ أَن أم مسطح، سلمى هِيَ بنت خَالَة أبي بكر الصّديق. قَوْلهَا: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ (النُّور: ٢٢) . أَي: وَلَا يحلف ﴿أولُوا الْفضل مِنْكُم﴾ (النُّور: ٢٢) . والآلية: الْيَمين وَالْفضل هُنَا المَال ﴿وَالسعَة﴾ (النُّور: ٢٢) . فِي الْعَيْش والرزق. فَإِن قلت: قَوْله: ﴿أولُوا﴾ (النُّور: ٢٢) . جمع، وَالْمرَاد هُنَا الصّديق؟ قلت: قَالَ الضَّحَّاك: أَبُو بكر وَغَيره من الْمُسلمين. قَوْلهَا: (إِلَى قَوْله: ﴿غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ٢٢) .) وَفِي رِوَايَة مُسلم: إِلَى قَوْله: ﴿ألَا تحبون أَن يغْفر الله لكم﴾ (النُّور: ٢٢) . قَالَ ابْن حبَان بن مُوسَى: قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: هَذِه أَرْجَى آيَة فِي كتاب الله، فَقَالَ أَبُو بكر: بلَى وَالله إِنِّي لأحب أَن يغْفر الله لي، فَرجع إِلَى مسطح النَّفَقَة الَّتِي كَانَ ينْفق عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزعهَا مِنْهُ أبدا. قَوْلهَا: (الَّذِي كَانَ يجدى عَلَيْهِ) ، أَي: يعْطى، من الجداء، وَهُوَ الْعَطِيَّة. وَكَذَلِكَ: الجدوي. قَوْلهَا: (أحمي) ، أَي: أصون (سَمْعِي) من أَن أَقُول: سَمِعت وَلم أسمع، (وبصري) من أَن أَقُول: أَبْصرت وَلم أبْصر، أَي: لَا أكذب حماية لَهما. قَوْلهَا: (تساميني) أَي: تضاهيني بكمالها ومكانها عِنْد رَسُول الله، ﷺ، وَهِي مفاعلة من السمو، وَهُوَ: الِارْتفَاع.

قَالَ: وحدَّثنا فُلَيحٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ وعَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ

أَي: قَالَ أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد: وَحدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة وَعبد الله بن الزبير مثله، أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ فليح عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة.

قَالَ: وحدَّثنا فلَيْحٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبدِ الرَّحْمانِ ويَحْيَى بنِ سَعيدٍ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ

أَي: قَالَ أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان: وَحدثنَا فليح ... إِلَى آخِره، وَالْحَاصِل أَن فليح بن سُلَيْمَان روى الحَدِيث الْمَذْكُور من أَرْبَعَة مَشَايِخ. الأول: ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ الثَّانِي: هِشَام بن عُرْوَة. وَالثَّالِث: ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن، شيخ مَالك. وَالرَّابِع: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد من الحَدِيث الْمَذْكُور: فِيهِ: جَوَاز رِوَايَة الحَدِيث عَن جمَاعَة، عَن كل وَاحِد قِطْعَة مُبْهمَة مِنْهُ، وَإِن كَانَ فعل الزُّهْرِيّ وَحده فقد أجمع الْمُسلمُونَ على قبُوله مِنْهُ والاحتجاج بِهِ. وَفِيه: صِحَة الْقرعَة بَين النِّسَاء، وَبِه اسْتدلَّ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وجماهير الْعلمَاء فِي الْعَمَل بِالْقُرْعَةِ: فِي الْقسم بَين الزَّوْجَات، وَفِي الْعتْق والوصايا وَالْقِسْمَة وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ أَبُو عبيد: عمل بهَا ثَلَاثَة من الْأَنْبِيَاء، ﵈، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اسْتِعْمَالهَا كالإجماع وَلَا معنى لقَوْل من يردهَا، وَالْمَشْهُور عَن أبي حنيفَة، إِبْطَالهَا، وَحكي عَنهُ إجازتها. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَغَيره: الْقيَاس تَركهَا، لَكِن عَملنَا بهَا بالآثار. انْتهى. قلت: لَيْسَ الْمَشْهُور عَن أبي حنيفَة إبِْطَال الْقرعَة، وَأَبُو حنيفَة لم يقل كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ: الْقيَاس يأباها، لِأَنَّهُ تَعْلِيق لَا اسْتِحْقَاق بِخُرُوج الْقرعَة، وَذَلِكَ قمار، وَلَكِن تركنَا الْقيَاس للآثار وللتعامل الظَّاهِر من لدن رَسُول الله، ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا من غير نَكِير مُنكر، وَإِنَّمَا قَالَ هَهُنَا: يفعل تطييباً لقلوبهن، والْحَدِيث مَحْمُول عَلَيْهِ، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه ﷺ لم تكن التَّسْوِيَة وَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْحَضَر، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَله تفضلاً، وَقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ إِذا أَرَادَ الرجل سفرا أَقرع بَين نِسَائِهِ، لَا يجوز أَخذ بَعضهنَّ بِغَيْر ذَلِك، وَالَّذِي فِي الْقَدُورِيّ: عَن مَذْهَب أبي حنيفَة: لَا حقَّ لَهُنَّ فِي حَالَة السّفر يُسَافر بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ، وَقَالَ الأقطع فِي (شَرحه) : لِأَن الزَّوْج لَا يلْزمه اسْتِصْحَاب وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَا يلْزمه الْقِسْمَة فِي حَالَة السّفر، وَالْأولَى وَالْمُسْتَحب أَن يقرع لتطييب قلوبهن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَعَن مَالك: يُسَافر بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ بِغَيْر قرعَة، لِأَن الْقِسْمَة سَقَطت للضَّرُورَة. وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ مَالك: الشَّارِع يفعل ذَلِك تَطَوّعا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ أَن يعدل بَينهُنَّ. وَفِيه: عدم وجوب قَضَاء مُدَّة السّفر للنسوة المقيمات، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ إِذا كَانَ السّفر طَويلا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَحكم السّفر الْقصير حكم الطَّوِيل على الْمَذْهَب الصَّحِيح، وَخَالف فِيهِ