عمدة القاري شرح صحيح البخاري
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَعبد الله بن وهب وَابْن حبيب الْمَالِكِي على أَن سُورَة النَّجْم فِيهَا سَجْدَة، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعِكْرِمَة وطاووس وَمَالك: لَيْسَ فِي سُورَة النَّجْم سَجْدَة، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب، وَسَنذكر الْجَواب عِنْد ذكره، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة رَوَاهُ عَنهُ أَحْمد وَقَالَ: (سجد النَّبِي ﷺ والمسلمون فِي النَّجْم إلاّ رجلَيْنِ من قُرَيْش أَرَادَا بذلك الشُّهْرَة) . وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات. وَمِنْهُم: أَبُو الدَّرْدَاء أخرج حَدِيثه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أم الدَّرْدَاء عَنهُ. قَالَ: سجدت مَعَ النَّبِي ﷺ إِحْدَى عشرَة سَجْدَة، مِنْهَا الَّتِي فِي النَّجْم. وَمِنْهُم: عبد الله بن عمر، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة مُصعب بن ثَابت عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ: والنجم، بِمَكَّة فَسجدَ وَسجد النَّاس مَعَه حَتَّى إِن الرجل ليرْفَع إِلَى جَبينه شَيْئا من الأَرْض فَيسْجد عَلَيْهِ، وَحَتَّى يسْجد على الرجل) ، وَمصْعَب بن ثَابت مُخْتَلف فِيهِ، ضعفه أَحْمد وَابْن معِين وَوَثَّقَهُ ابْن أبي حبَان، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق كثير الْغَلَط. وَمِنْهُم: الْمطلب بن أبي ودَاعَة، أخرج النَّسَائِيّ حَدِيثه بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة ابْنه جَعْفَر بن الْمطلب عَنهُ، قَالَ: (قَرَأَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة سُورَة النَّجْم فَسجدَ وَسجد من مَعَه، فَرفعت رَأْسِي وأبيت أَن أَسجد) ، وَلم يكن يَوْمئِذٍ أسلم الْمطلب. وَمِنْهُم: عَمْرو بن الْعَاصِ، أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن نمير عَنهُ (أَن النَّبِي ﷺ أقرأه خمس عشرَة سَجْدَة فِي الْقُرْآن، مِنْهَا ثَلَاث فِي الْمفصل) . وَمِنْهُم: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أخرج حَدِيثهَا الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن بشير عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة قَالَت: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ بِالنَّجْمِ، فَلَمَّا بلغ السَّجْدَة سجد) . وَعبد الرَّحْمَن بن بشير مُنكر الحَدِيث. وَمِنْهُم: عَمْرو الجني، أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة عُثْمَان بن صَالح، قَالَ: حَدثنِي عَمْرو الجني قَالَ: (كنت عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَرَأَ سُورَة النَّجْم فَسجدَ فِيهَا) . قَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَعُثْمَان بن أبي صَالح شيخ البُخَارِيّ لم يدْرك أحدا من الصَّحَابَة، فَإِنَّهُ توفّي سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، إلاّ أَنه ذكر أَن عمرا هَذَا من الْجِنّ، وَقد نسبه أَبُو مُوسَى فِي (ذيله) : من الصَّحَابَة عَمْرو بن طلق، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عَمْرو الجني، قيل: هُوَ ابْن طلق، أوردهُ أَبُو مُوسَى، وَقَالَ: وَالْعجب أَنهم يذكرُونَ الْجِنّ من الصَّحَابَة وَلَا يذكرُونَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل؟ قلت: لِأَن الْجِنّ آمنُوا برَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُرْسل إِلَيْهِم، وَالْمَلَائِكَة ينزلون بالرسالة إِلَى الرَّسُول، ﷺ.
وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ: أَن رُؤْيَة الْإِنْس للجن لَا تنكر، وَأنْكرت الْمُعْتَزلَة رُؤْيَة الْإِنْس للجن، وَاسْتدلَّ بَعضهم بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٢) . مَعَ قَوْله: ﴿إلاّ إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ (فصلت: ٠٥) . وَأجَاب أهل السّنة بِأَن هَذَا خرج مخرج الْغَالِب فِي عدم رُؤْيَة الْإِنْس الْجِنّ أَو الشَّيَاطِين، وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة رُؤْيَة النَّبِي ﷺ الشَّيْطَان الَّذِي أَرَادَ أَن يقطع عَلَيْهِ صلَاته، وَأَنه خنقه حَتَّى وجد برد لِسَانه، وَأَنه قَالَ: (لَوْلَا دَعْوَة سُلَيْمَان لربطته إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد) الحَدِيث، وَثَبت فِي الصَّحِيح رُؤْيَة أبي هُرَيْرَة لَهُ لما دخل ليَسْرِق تمر الصَّدَقَة، وَقَول النَّبِي ﷺ لأبي هُرَيْرَة: (تَدْرِي من تخاطب مُنْذُ ثَلَاث؟) وَقَالَ فِيهِ: (صدقك وَهُوَ كذوب) ، لَكِن أَبَا هُرَيْرَة رَآهُ فِي صُورَة مِسْكين على هَيْئَة الْإِنْس، وَهُوَ دَال على أَن الشَّيَاطِين وَالْجِنّ يتشكلون فِي غير صورهم، كَمَا تتشكل الْمَلَائِكَة فِي هَيْئَة الْآدَمِيّين، وَقد نَص الله فِي كِتَابه على عمل الْجِنّ لِسُلَيْمَان، ﵊، ومخاطبتهم لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ عفريت من الْجِنّ: أَنا آتِيك بِهِ.﴾ (النَّمْل: ٩٣) . الْآيَة، وَمثل هَذَا لَا يُنكر مَعَ تَصْرِيح الْقُرْآن بذلك وَثُبُوت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة.
وَرَوَاهُ ابنُ طُهْمَانَ عنْ أيُّوبَ
أَي: روى هَذَا الحَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون الْهَاء وبالنون، وَقد مر فِي: بَاب تَعْلِيق الْقنْدِيل فِي الْمَسْجِد، رَوَاهُ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ مُتَابَعَته من حَدِيث حَفْص عَنهُ.