عمدة القاري شرح صحيح البخاري
مدنيون. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. قَوْله: (من الْبكاء) كلمة: من، للتَّعْلِيل أَي: لأجل الْبكاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي الْبكاء، أَي: لأجل الْبكاء، و: فِي، جَاءَ للسَّبَبِيَّة أَو هُوَ حَال، أَي: كَائِنا فِي الْبكاء، وَهُوَ من بَاب إِقَامَة بعض حُرُوف الْجَرّ مقَام بعض قلت: هَذَا إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا صحت رِوَايَة: فِي الْبكاء. قَوْله: (فَمر عمر فَليصل) ، ويروى: (يُصَلِّي) قَوْله: (بِالنَّاسِ) ويروى: (للنَّاس) . قَوْله: (فَفعلت) أَي: القَوْل الْمَذْكُور، وَلم تقل: فَقَالَت كَذَا وَكَذَا اختصارا. وَقَوله: (مَه) كلمة زجر، وَقد تقدم فِيمَا مضى.)
٧١٧ - حدَّثنا أبُو الوَلِيد هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ سالِمَ بنَ الجَعْدِ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أوْ لَيُخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجُوهِكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي لفظ التَّسْوِيَة ظَاهِرَة وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق. قَوْله: (عِنْد الْإِقَامَة وَبعدهَا) ، وَلكنه أَشَارَ بذلك إِلَى مَا فِي بعض طرق الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك، وَقد روى مُسلم من حَدِيث النُّعْمَان قَالَ ذَلِك مَا كَاد أَن يكبر.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: أَبُو عبد الله الجهمي، بِضَم الْجِيم: الْمرَادِي، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء: الْكُوفِي الْأَعْمَش، من الْأَئِمَّة العاملين، مَاتَ سنة عشرَة وَمِائَة. والجعد، بِفَتْح الْجِيم، وَبشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: مر فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ.
ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسمه وكنيته صَرِيحًا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن الْمثنى وَابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لتسون) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: هَذِه اللَّام هِيَ الَّتِي يتلَقَّى بهَا الْقسم، وَالْقسم هُنَا مُقَدّر، وَلِهَذَا أكده بالنُّون الْمُشَدّدَة، وَقد أبرزه أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، حَدثنَا وَكِيع عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي الْقَاسِم الجدلي، قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان بن بشير يَقُول: (أقبل رَسُول الله ﷺ على النَّاس بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم، ثَلَاثًا، وَالله لتقيمن صفوفكم أَو ليخالفن الله فِي قُلُوبكُمْ) . الْحَدث، وأصل: لتسوون، لِأَنَّهُ من التَّسْوِيَة تَقول: تسوي تسويان تسوون، بِضَم الْوَاو الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة، وَالنُّون فِيهِ عَلامَة الْجمع، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ نون التَّأْكِيد الثَّقِيلَة حذفت نون الْجمع وَإِحْدَى الواوين لالتقاء الساكنين، فالمحذوف هُوَ: وَاو الْجمع، أَو: وَاو الْكَلِمَة؟ فِيهِ خلاف، وَقد علم فِي مَوْضِعه. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (لتسوون) ، فالنون على هَذِه الرِّوَايَة نون الْجمع. فَإِن قلت: مَا معنى تَسْوِيَة الصُّفُوف؟ قلت: اعْتِدَال القائمين بهَا على سمت وَاحِد، وَيُرَاد بهَا أَيْضا سد الْخلَل الَّذِي فِي الصَّفّ على مَا سَيَأْتِي. قَوْله: (أَو ليخالفن الله) ، بِفَتْح اللَّام الأولى لِأَنَّهَا لَام التَّأْكِيد، وبكسر اللَّام الثَّانِيَة وَفتح الْفَاء، وَلَفظ: الله، مَرْفُوع بالفاعلية، وَكلمَة: أَو، فِي الأَصْل مَوْضُوعَة لأحد الشَّيْئَيْنِ أَو الْأَشْيَاء، وَقد تخرج إِلَى معنى: بل، وَإِلَى معنى: الْوَاو، وَهِي حرف عطف ذكر المتاخرون لَهَا مَعَاني كَثِيرَة، وَهَهُنَا لأحد الْأَمريْنِ، لِأَن الْوَاقِع أحد الْأَمريْنِ إِمَّا إِقَامَة الصُّفُوف وَإِمَّا الْمُخَالفَة. وَالْمعْنَى: ليخالفن الله إِن لم تُقِيمُوا الصُّفُوف، لِأَنَّهُ قَابل بَين الْإِقَامَة وَبَينه، فَيكون الْوَاقِع أحد الْأَمريْنِ، وَهَذَا وَعِيد لمن لم يقم الصُّفُوف بِعَذَاب من جنس ذنبهم لاختلافهم فِي مقامهم، وَقيل: يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء وَاخْتِلَاف الْقُلُوب، يُقَال: تغير وَجه فلَان عَليّ، أَي: ظهر لي من وَجهه كَرَاهِيَة فيَّ وَتغَير، لِأَن مخالفتهم فِي الصُّفُوف مُخَالفَة فِي الظَّاهِر، وَاخْتِلَاف الظَّاهِر سَبَب لاخْتِلَاف الْبَاطِن. وَقيل: هُوَ على حَقِيقَته، وَالْمرَاد