مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط
له لذلك، ليكون مكافأة لإحسانه إلينا؛ إذ لا إحسان أفضل من إحسانه إلينا، كذلك دعونا له بدرجة لا درجة أفضل منها، والله أعلم. انتهى
قال شيخنا: قوله: (الذي وعدته) بدل، أي: من قوله: (مقاما) أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة، ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما: ((المقام المحمود)) فيصح وصفه بالموصول، والله أعلم. قال العيني: فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمقام؟ قلت: إن قلنا: المقام المحمود، صار علماً لذلك المقام يجوز أن يكون صفة، وإلا لا يجوز لأنه نكرة. وأما على رواية النسائي، فيجوز بلا نزاع. انتهى
قوله: (حَلَّت لَهُ شَفاعَتي) جواب مَن، ومعنى (حلت) أي: استحقت ووجبت، ويكون من الحلال؛ لأنه مَن كان الشيءُ حلالاً له كان مستحقاً لذلك، وبالعكس، ويجوز أن يكون من الحلول بمعنى النزول، وتكون اللام بمعنى على، يقال: حَلَّ يَحُل بالضم إذا نزل، ويؤيده رواية مسلم: ((حلَّت عليه))، ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود: ((وجبت له))، ولا يجوز أن يكون من الحِل خلاف الحُرمة؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. فإن قيل: كيف جعل ذلك ثواباً لقائل ذلك مع أنه ثبت أن الشفاعة للمذنبين؟ أجيب: بأن للنبي ﷺ شفاعات متعددة، كإدخال الجنة بغير حساب، ورفع الدرجات، فيشفع لكل أحد بما يناسب حاله. ونقل القاضي عياض عن بعض شيوخه: أنه كان يرى تخصيص ذلك بمن قال مخلصاً مستحضراً إجلال النبي ﷺ، لا من قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك، وهذا مجرد تحكم غير مرضي. قال شيخنا: ولو كان أخرج بالغافل اللاهي لكان أشبه، قال العيني: وفيه نظر أيضاً على ما لا يخفى. انتهى
فيه الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء: ((ساعتان لا يرد فيهما الدعاء: حضرة النداء بالصلاة، وحضرة الصف في سبيل الله)) فدلهم ﵇ على أوقات الإجابة.
فإن قلت: هل الإتيان بهذه الألفاظ المذكورة سبب لاستحقاق الشفاعة، أو غيرها يقوم مقامها؟ قال العيني: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من مسلم يقول إذا سمع النداء، فيكبر المنادي فيكبر، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعطِ محمداً الوسيلة واجعله في الأعلَين درجته، وفي المصطفَين محبَّته، وفي المقربين ذِكره إلا وجبت له شفاعتي يوم القيامة)) وأخرجه الطبراني أيضاً.
قوله: (وَاجعَلهُ) أي: واجعل له درجة في الأعلين، وهو جمع أعلى، وهو صفة مَن يعقل ههنا؛ لأن المراد منهم الأنبياء ﵈، فلذلك جمع بالواو والنون، فإعرابه بالواو حالة الرفع وبالياء في حالَتي النصب والجر، وهذا مقصور، والضمة والكسرة فيه مقدرتان في حالتي النصب والجر.
قوله: (المصطفَين) بفتح الفاء جمع مصطفى، وهو أيضاً كذلك بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر، والمصطفى