أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي
وإنما أُمر الناس بطلاق السُّنّة نظرًا للزوجين، وأن لا يُطلق عليهما الرجعةَ أو التراجع، ألا تراه جل ثناؤه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وإذا كان الطلاق الثاني في الطهر الثاني لا عِدّة له، والعِدّة بالطلاق الأول، فأيُّ فائدة في الثاني إلا مخالفة أمر اللَّه ﷿، والدخول في التضييق على نفسه؟ لأن اللَّه ﷿ يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، فعُلم أن الطلاق الذي أمر اللَّه به تكون منه عِدّة، فقد دخل أصحاب أبي حنيفة فيما أنكروه على الشافعي، من إباحة الطلاق الثلاث في مقام واحد.
وقال رسول اللَّه ﷺ: "فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يُطَلَّق لها النساء"، فالأمر في كتاب اللَّه للوقت، وأمر رسول اللَّه ﷺ إنما هو للوقت، وقد ذكرنا احتجاج الشافعي بقول النبي ﷺ لابن عمر، ولا أحسب الشافعي يكون أعلم بذلك من المخاطبين به، وهما عمر وابن عمر، وقد قالا جميعًا: من طلق ثلاثًا فقد عصى ربه ﷿، ولو كان للسُّنّة الثلاث بطلت الفائدة في قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وقد قال المفسرون جميعًا: هي الرجعة (١)، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فعُلم أن الذي طلق ثلاثًا غيرُ مخاطب بذلك.
فأما قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، يشبه قوله في البقرة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، فأمر هذا عند انقضاء العدة أن لا يُراجعها مُضارة لها، لأن الرَّجعة إنما هي له من قبل أن تنقضي عدتها، والآية التي في البقرة إنما كان الرجل يطلق، فإذا قاربت انقضاء العدة ارتجع من غير رغبة، ثم يطلق ليُطَوِّل عليها عدتها ويعذبَها، فنُهوا عن ذلك.