التعليق على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للمقدسي
مراسلة النجاشي ملك الحبشة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري رسولًا إلى النجاشي واسمه أصحمة، ومعناه عطية، فأخذ كتاب رسول الله ﷺ ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض، وأسلم وحسن إسلامه، إلا أن إسلامه كان عند حضور جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وصح أن النبي ﷺ صلى عليه يوم مات، وروي: أنه كان لا يزال يرى النور على قبره].
هذه المرحلة تسمى طوراً جديداً في الدعوة إلى الله جل وعلا، وهذا الطور وقع بعد صلح الحديبية، كان القرشيون يمثلون الوثنية في جزيرة العرب، وكان اليهود يمثلون بطبيعة الحال اليهودية، وكانت القوى الثلاثة التي تحارب الإسلام ثلاثة: اليهود وقريش وغطفان.
فلما صالح النبي ﷺ قريشاً في صلح الحديبية انكسرت شوكة الوثنيين فتفرغ ﷺ للدعوة عموماً، والله يقول عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، يقول ﷺ: (وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) فكان هذا كله يتطلب طوراً جديداً ومرحلة دعوية، والنبي ﵊ لم يبدأ بهذا الطور قديماً مع الحاجة إليه، لكن المسلم العاقل لا يقيم الإسلام في غيره حتى يقيمه في نفسه.
فلما شكل ﷺ وأقام دولة الإسلام وتخلص من خصومه القريبين تفرغ للدعوة إلى الله جل وعلا، والعاقل لا يستعدي الناس عليه في يوم واحد، ولا يكون جبهات متعددة تحاربه لأن هذا أدعى لأن يخسر ويفشل، لكن العاقل يؤمن بالمرحلية في حياته، ويؤمن بالواقع الذي يعيشه، فهو ﵊ لم يخاطب كسرى ولا قيصر ولا تبابعة اليمن ولا غيرهم حتى كسر شوكة قريش، كسر شوكتها بصلح الحديبية على أن يستمر الناس عشر سنين ليس بينهم حرب، فلما توقفت الحرب كان هذا هو الفتح العظيم الذي بشر الله به نبيه يوم انصرف من الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فكان ذلك سبباً في أن يتهيأ ﷺ ليخاطب الآخرين غير جماعته وعشيرته الأقربين الذين أمر أن يبدأ بهم أولاً وهم قريش الذي هو منهم صلوات الله وسلامه عليه.
وهو ﵊ كما دعا إلى الله بالسنان كما مر معنا في غزواته دعا باللسان، واتخذ الأسباب المشروعة في الدعوة التي توافق عصره آنذاك، فلما أخبره الصحابة أن الملوك والسلاطين والأمراء لا يقبلون إلا كتاباً مختوماً لم يعاند وإنما اتخذ ﵊ خاتماً من فضة، وجعل نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله كما في البخاري وغيره.