انبعاث الإسلام في الأندلس
وفي سنة ٨٣٥ هـ (١٤٣٢ م) قامت قشتالة بمؤامرة للإطاحة بالسلطان الأيسر ووضع محله سلطانًا يوسف بن المول، وهو سبط السلطان أبي عبد الله محمد عم الأيسر، الذي وقع مع قشتالة معاهدة خضوع وولاء. فنجحت الثورة بمساندة قشتالة وأصبح ابن المول سلطانًا على غرناطة. لكنه توفي بعد ستة أشهر من توليه، فاتفق الجميع على رد الأمر للسلطان الأيسر. وقام الأيسر لقتال القشتاليين، فهزمهم غير ما مرة. وفشلت محاولة النصارى لأخذ جبل طارق سنة ٨٤٠ هـ (١٤٣٦ م). وهكذا كانت الحروب سجالاً بين غرناطة وقشتالة. فاستنجد السلطان الأيسر بمصر عندما اشتدت وطأة النصارى عليه ولم ينجده المغاربة لدخول الدولة المغربية مرحلة انحلال. فلم يفز من مصر بطائل.
وتتابعت الفتن إلى أن ثار أبو عبد الله محمد الأحنف بن نصر بن أبي عبد الله الغني بالله على السلطان سنة ٨٤٥ هـ (١٤٤١ م) وخلعه وبويع محله. ولم تهدأ الفتن ببيعة الأحنف إذ كان بنو سراج يعارضونه ويساندون أبا الحجاج يوسف بن أحمد بن إسماعيل بن أبي الحجاج بن الغني بالله، فتغلب هذا الأخير على غرناطة بمساندة النصارى. ولكن لم يمكث شهورًا حتى استرجع الأحنف ملكه سنة ٨٤٩ هـ (١٤٤٦ م)، وانتقم من النصارى بغزوهم، وهزمهم عدة مرات خاصة سنة ٨٥٢ هـ (١٤٥٠ م). وتابع النصارى مساندتهم لأبي الحجاج يوسف، وبقي الأحنف سلطانًا إلى سنة ٨٦٣ هـ (١٤٥٨ م). ثم خلفه في الحكم الأمير سعد بن محمد بن أبي الحجاج يوسف بن الغني بالله، وبقي سلطانًا إلى سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٢ م). تم عزل وبويع من جديد أبو الحجاج يوسف بن أحمد بن إسماعيل وظل سلطانًا إلى سنة ٨٦٨ هـ (١٤٦٣ م) حيث بويع من جديد الأمير سعد.
وفي هذه السنين المضطربة المليئة فتنًا داخلية وتواطؤًا مع النصارى وحروبًا متواصلة معهم، استنزفت مملكة غرناطة قواها وضاعت منها قلاع ومدن متعددة. وكانت الضربة المؤلمة سقوط جبل طارق في يد النصارى سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٢ م)، فانقطع بذلك حبل النجاة مع المغرب.
وهكذا راجعنا باختصار تاريخ مملكة غرناطة ورأينا كيف أنها خرجت من ضعف إلى قوة، وصمدت أمام حرب صليبية متواصلة لمدة قرنين بفضل صمود الجبهة الداخلية ومساندة المغاربة وسياسة التوازن بين الدولتين النصرانيتين، أراغون وقشتالة. رأينا كيف ساءت أوضاع المملكة الإسلامية بسبب ضعف الجبهة الداخلية وكثرة الفتن