Skip to content

دروس للشيخ صالح المغامسي ما تجلى في هاتين الوقعتين من محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Printed page ٤٥/ ٥

ما تجلى في هاتين الوقعتين من محبة الصحابة لرسول الله ﷺ

عباد الله! لقد تجلى في هاتين المعركتين العظيمتين محبة أصحاب محمد ﷺ لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فآمنوا بأن الله واحد لا شريك له، وهو الذي بعثه، فأحبوا نبيهم ونصروه وعزروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أناجيلهم في صدورهم ﵃ وأرضاهم.

الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوماً وأخطأ دمع العين مجراه في تلك الغزوة وفي غيرها في كل محفل وموطن أثبتوا محبتهم ونصرتهم لرسول الله، وقد تجلى ذلك فيهم أفراداً وجماعات، فعلى مستوى الجماعة هو ظاهر في كل غزوة وموطن وسرية، وعلى مستوى الأفراد في يوم بدر وقف ﷺ يقوّم صفوف الجيش قبل المعركة، فإذا بـ سواد بن غزية ﵁ وأرضاه بارز عن الصف، فطعنه ﷺ بقدح كان معه في بطنه، وقال له: (استو يا سواد!) أي: ارجع إلى الصف، (قال: يا رسول الله! أوجعتني، وقد بعثك الله بالعدل والحق فأقدني، فكشف ﷺ عن بطنه وقال له: استقد -أي: خذ حقك- فأقبل سواد على بطن رسول الله يعانقه ويقبله، فتعجب ﷺ وقال: ما حملك على هذا يا سواد؟! قال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى -أي: من قرب الموت ودنو الأجل، فهذه ساحة معارك- فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك)، إنه أنموذج لتلك المحبة التي كانت في قلوبهم ﵃ وأرضاهم لرسول الله ﷺ.

ولقد تجلت في الأنصار على وجه الخصوص الذين قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].

وكان الصديق ﵁ إذا ذكر الأنصار ومواقفهم ومناقبهم يقول: لا أجد بيننا وبين هذا الحي من الأنصار إلا كما قال الأول: أبوا أن يملوا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملتِ فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجمعنا بهم في جنات النعيم مع رسولنا ﷺ.

عباد الله! إن وعد الله حق لا محالة، وما الدنيا إلا زهرة حائلة ونعمة زائلة، وكانت قريش عندما بعث نبينا ﷺ بالهدى ودين الحق يحذرهم يوم المعاد، ويوم البعث والنشور وحشر العباد، وهم يهزءون به ويسخرون منه، قال له العاص بن وائل وقد حمل رفات عظم: أتزعم يا محمد أن ربك يحيي هذا بعد موته؟ قال ﷺ: (نعم ويدخلك النار).

ثم كان ما كان من قتلى بدر، فوضعهم ﷺ -أي: قتلى المشركين- في بئر مهجورة تعرف بالقليب، ثم وقف ﷺ يناديهم: (يا أبا الحكم بن هشام يا شيبة بن ربيعة يا عتبة -يناديهم بأسمائهم- هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال له عمر ﵁: يا نبي الله! أتخاطب أقواماً قد جيفوا؟! قال: يا عمر! ما أنت بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جواباً).

فيتذكر المؤمن هذا الموقف في الدنيا، ويعلم أن هناك في الآخرة يوماً يقال له عياذاً بالله يوم اللعنة، يفصل فيه بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ويفصل فيه بين أهل الجنة وأهل النار، ويفصل فيه ما بين من يعملون الصالحات ويعملون السيئات، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤].

اللهم اجعلنا ممن يحيى يرتقب وعدك الحق