شرح سنن أبي داود للعباد
بطلان من زعم أن رسول الله إذا مشى في الشمس لا ظل له
هذا الحديث يدل على بطلان ما يقوله بعض الغلاة في رسول الله ﷺ: إنه إذا مشى في الشمس لا يكون له ظل؛ لأنه نور يقابل نور الشمس، فرسول الله ﷺ ليس بحاجة إلى أن يضاف إليه شيء ليس واقعاً، وإنما ذلك من باب الغلو، فلو كان الأمر كما يقولون إنه لا ظل له كيف تقوم عائشة وتبحث عن رسول الله في الظلمة حتى تجده وتقع يدها عليه، فلو كان لا ظل له وأنه مضيء مثل ضوء الشمس لما كان عنده ظلام أبداً، وإنما يكون مثل الشمس أين وجد فنوره مثل نور الشمس ساطع، ولا تحتاج عائشة إلى أن تبحث عن الرسول ﷺ في الليل حتى تقع يدها عليه رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهذا الحديث يدل على بطلان ما يزعمون، ثم أيضاً الحديث الآخر حديث عائشة أيضاً: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي في الليل ورجلاها في قبلته، فإذا سجد غمزها حتى ترفع رجليها ويسجد، وإذا رفع بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) يعني: لو كان الأمر كما يقولون فلا حاجة إلى المصابيح ورسول الله ﷺ موجود في الحجرة، فهذا كله من الغلو في رسول الله ﷺ.
كذلك الحديث الآخر الذي فيه: (أن امرأة كانت تقم المسجد، وأنها ماتت فدفنوها ليلاً، ففقدها رسول الله ﷺ وسأل عنها، فقالوا: إنها ماتت وأنهم دفنوها في الليل قال: ألا آذنتموني؟! قالوا: كانت ليلة ظلماء فكرهنا أن نوقظك أو أن نشق عليك) فلو كان الأمر كما يقوله هؤلاء الغلاة فليس هناك حاجة إلى أن يقولوا: (كانت ليلة ظلماء) وذلك لأن نوره مثل نور الشمس.
فرسول الله لا شك أن عنده نوراً -وهو نور الوحي ونور الهدى- به يستضاء في الطريق إلى الله والوصول إليه، وفي الخروج من الظلمات إلى النور، وقد جعله الله هادياً مهدياً قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦]، وقال الله ﷿ عنه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] فهو سراج منير، لكن المقصود بالسراج كونه يضيء الطريق إلى الله ﷿؛ وذلك بالكتاب والسنة الذي من سار عليهما فقد سار على طريق صحيح وصراط مستقيم، وليس المقصود منه كما يقول بعض الغلاة: إنه إذا مشى في الشمس يكون لا ظل له.
وكما جاء في بعض الأحاديث: (أنه جلس في ظل الكعبة) يعني: لو كان الأمر كما يقولون كيف يتظلل بظلال وهو نفسه لا ظل له؟! الحاصل أن هذا من الغلو في رسول الله ﷺ، وقد أغناه الله بما أعطاه من الفضائل والخصائص عن تكلف المتكلفين، وغلو الغلاة الذين يضيفون إليه ما لا يكون حاصلاً، وإنما ذلك من باب الغلو والإطراء لرسول الله ﷺ، وقد قال رسول الله ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.