Skip to content

تفسير أحمد حطيبة فتنة المال

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٥١٠/ ٣

فتنة المال

وجاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) يخاف النبي ﷺ على أصحابه بعد ما كانوا فقراء يعبدون الله ﷿ ما يفتح الله ﷿ عليهم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل للنبي ﷺ: (أويأتي الخير بالشر؟!) يعني: الفتح الذي يفتحه الله ﷿ علينا هذا خير، ومغانم نأخذها فيها خير، وزهرة الدنيا نحصل عليها خير، فهل هذا الخير يأتي بالشر؟ فقال النبي ﷺ: (إنه لا يأتي الخير بالشر)، وهذا الجواب وقع بعد ما نزل عليه الوحي من السماء، فلم يجب السائل حتى نزل الوحي، فأجاب ﷺ: (إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل خبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر) يريد النبي ﷺ أن يضرب المثال للدنيا فيمن ينكب على الدنيا يريد أن يحصلها جميعها، هذا المثال الذي يذكره النبي صلوات الله وسلامه عليه: (إن مما ينبت الربيع يقتل خبطاً أو يلم) الربيع هو جدول الماء ينبت على حافته أعشاب ونبات وبقول، وتأتي الحيوانات التي تأكل هذا العشب، فمن البهائم ما يستحلي هذا النبات فيأكل كثيراً حتى يشارف على الهلاك من كثرة الامتلاء، قال: (إلا آكلة الخضر) بقرة ذهبت فأكلت ما استطاعت ثم جلست كما قال النبي ﷺ: (حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت) بقرة من الأبقار ذهبت فأكلت، وبعدما أكلت استقبلت الشمس فخرج منها العرق والبول، ثم ثلطت وقامت وتحركت شمالاً ويميناً لتهضم هذا الذي بداخلها، فلم يقتلها ما أكلته، ولكن البهيمة التي تأكل ولا تعمل شيئاً، وتهتم بأن تأكل في النهاية يقتلها ذلك خبطاً أو يكاد أن يقتلها إلا أن يدركها صاحبها.

قال النبي ﷺ: (وإن هذا المال خضرة حلوة)، كهذه البقول التي تخرج من الأرض، وكهذه الخضروات التي تخرج من الأرض، لكن المسلم سيكون المال خيراً له: (ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل)، أو كما قال ﷺ (وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) هذا المال الذي يريد الإنسان أن يحصله: إما أن يحصله للخير ليعبد الله ﷿ به، ويعطي الحق لأصحابه، وينفق على أهله وعياله من طول، وعلى المسكين واليتيم وابن السبيل، فيخرج من المال ما يطهر به هذا المال، فهذا الذي ينتفع به العبد يوم القيامة.

ولكن الذي يجمع المال من حل وحرام، وينفق المال في حل وحرام، فهذا كالذي يأكل ولا يشبع، حتى إذا امتلأ في النهاية مات من التخمة، ويأتي المال يوم القيامة ليكون شهيداً على صاحبه، فهذا الذي يلعب في الدنيا ويلهو ويجمع المال للعبث، يكون المال شهيداً عليه يوم القيامة، فالحياة الدنيا إذا استغلها العبد لطاعة الله ﷿ في كل لحظة كانت عظيمة عند الله.

وجاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) غدوة في الصباح تذهب مطيعاً لله ﷿ فيها، مجاهداً في سبيل الله سبحانه ﵎، أو روحة في سبيل الله، في المساء، فهذه خير من الدنيا جميعها.