تفسير أحمد حطيبة
صور تكليم الله سبحانه لأنبيائه ورسله
إذاً: يرسل الله رسولاً من السماء وهو جبريل ﵇ إلى من يشاء من أنبيائه، (فَيُوحِيَ) وأيضاً الوحي فيه الإخبار، ومنهم من يعطيه الله ﷿ ذلك وينزله عليه خاصة دون غيره، إذاً: فيه خفاء عن الغير، فيأتي جبريل فيكلم النبي ﷺ ولا يراه أحد، يكلمه ويسر إليه ﷺ ولا أحد يطلع على ما يقوله، فيخبر النبي ﷺ من حوله.
ولذلك جاء في حديث عن أحد أصحاب النبي ﷺ وهو: عثمان بن مظعون، يقص أنه أسلم قديماً في أيام مكة، ولكن كان إسلامه حياء من النبي ﷺ، فقد مر به وهو جالس بفناء بيته، فقال له رسول الله ﷺ: (ألا تجلس؟ قال: بلى، فجلس مع النبي ﷺ يدعوه إلى الله ﷿، فجلس يسمع حياء من النبي ﷺ، قال: فإذا بالنبي ﷺ يشخص ببصره إلى السماء، أي: يرفع بصره ﵊ إلى السماء ثم ينزل به حتى نزل إلى الأرض، ثم انحرف عني يميناً -أي: كان جالساً مع عثمان بن مظعون يحدثه صلوات الله وسلامه عليه، ثم انحرف عنه، وتركه- قال: وإذا به ينغض رأسه وكأنه يستفقه شيئاً ويسمع، فلم يزل كذلك حتى رفع بصره بعد ذلك، ولم يزل يصعد به إلى السماء، ثم التفت إلي بعد ذلك.
قال: فتعجبت، قلت: إنك صنعت شيئاً ما كنت تصنعه، قال: وفطنت لذلك؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال: شخصت ببصرك إلى السماء ولم تزل تنزل به، ثم كأنك تستفقه من أحد عن يمينك، قال: ذاك جبريل أتاني آنفاً، فأخبرني بهذه الآية -وهي الآية التي أحبها عثمان بن مظعون ﵁ قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]) فلما سمعها ابن مظعون فرح بهذا الدين، قال: وهذا أول ما استقر الإيمان في قلبي، قال: كان قبل ذلك يستحي من النبي ﷺ، أما الآن فقد استقر الإيمان في قلبه حين سمع هذه الآية العظيمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] قال: فدخل حب محمد ﷺ في قلبي، ثم قال: فأخبرت بها الوليد بن المغيرة، فقال الوليد: ما تقول يا ابن أخي؟ فتلاها عليه مرة ثانية، قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر! هذا قول الوليد بن المغيرة لما سمع هذه الآية.
فالغرض أن الوحي جاء للنبي ﷺ وعثمان بن مظعون قاعد، ولم ير جبريل وهو يأتي للنبي ﷺ، وكذلك كان الصحابة يعرفون مجيء الوحي بالتفات النبي ﷺ عنهم، يكون جالساً معهم وفجأة يلتفت عنهم، ويعتريه كالحر الشديد، فيتفصد عرقاً صلوات الله وسلامه عليه، وقد يحدث له رعدة ﵊، ويصقل بدنه ﷺ، ولكن لا يرون من يخاطب ﷺ، فهذا وحي من الله يسمعه النبي ﷺ، ولذلك كانوا يقولون: ترى ما لا نرى، وتخاطب من لا نخاطب، صلوات الله وسلامه عليه.
هذا الوحي الذي هو إلقاء من الله ﷿ يلقي عليه الكتاب العظيم، وينزل عليه جبريل ويخبره بأحكام شرعية عظيمة، وهذا كله في خفاء عن الناس، لا أحد يرى من الذي يأتي النبي ﷺ، ولا ماذا يقوله جبريل، ثم هو يخبرهم ﷺ بذلك.
إذاً: هذا الوحي رسول من السماء يأتي إلى النبي ﷺ، فيوحي بإذن الله ما يشاء، والعادة أن الذي ينزل من السماء على النبي ﷺ هو نفسه الذي ينزل على الأنبياء قبله، ولكن قد ينزل الله ﷿ ملكاً آخر على النبي ﷺ، مثلما نزل ملك من السماء على النبي ﷺ، ويخبره جبريل أنه فتح باب من السماء، وهذا الملك أول مرة ينزل من السماء إلى الأرض، وقد نزل إلى النبي ﷺ يحدثه بشيء من السماء، فهذا يكون أحياناً.
فالأصل: أن جبريل هو الذي يأتي النبي ﷺ بما يريده الله ﷿ وبما ينزل عليه من هذا القرآن العظيم.
قال تعالى: (فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ) أي: بإذن الله ﷿ (مَا يَشَاءُ) يوحي ويخبر نبيه ﵊ بإذنه ما يشاء، (إنه عليُّ حكيم) ﷾، وله علو الشأن وعلو القهر وله علو الذات ﷾، علا على كل شيء، وغلب كل شيء، وقهر كل شيء، وشأنه عظيم وأعلى من أن يحاط به ﷾.