Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تفسير قوله تعالى: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٣١٣/ ٥

تفسير قوله تعالى: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء)

قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ [يس:٢٨].

يعني: هؤلاء أحقر من أن ننزل عليهم جنداً من السماء لإهلاكهم وما كنا لنفعل ذلك بهم.

فما كان الأمر إلا أن قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٢٩]، من جبريل ﵇ فهلكوا.

قوله تعالى: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٢٩]، منصوبة على أنها خبر كان عند أكثر القراء.

وقرأها أبو جعفر: (إن كانت إلا صيحةٌ واحدةٌ فإذا هم خامدون)، فجعل (كان) تامة، و (صيحة) فاعل، والمعنى: ووقعت صيحة واحدة على هؤلاء فإذا هم خامدون.

والإنسان عندما تكون فيه النفس يكون حياً، فإذا خرج روحه من جسده همد وخمد، وذهبت منه الحياة.

فإذا بصيحة من جبريل على هؤلاء أخمدتهم جميعهم.

انظر كيف أخمدهم الله ﷾ بصيحة واحدة، ولم ينزل عليهم ملائكة، كما قال تعالى: ﴿إِنْمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].

وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في سورة مكية حتى يطمئن نبيه ﷺ أن الله ينصر رسله، وينصر دينه ﷾.

هؤلاء لا قيمة لهم عند الله، فلم ينزل عليهم جنداً من السماء، وفي يوم بدر أنزل الله ﷾ ملائكة من السماء على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وطمأن المؤمنين بأنه ينزل عليهم من السماء ثلاثة آلاف مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وينزل ِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، فهل يستحق هؤلاء الكفرة الذين مع النبي ﷺ أن ينزل عليهم الملائكة؟ ف

الجواب

لا، فليس إنزال الملائكة تقديراً لهؤلاء الكفرة، وإنما ذلك لعظيم منزلة النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلو قدره، فأراد الله بذلك أن يري المؤمنين والأمم من بعدهم كيف جعل الله سبحانه للنبي ﷺ منزلة عظيمة أن يقاتل معه المؤمنون من الإنس والملائكة، ويشاهد الناس الكرامات والبركات ومعجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولذلك عندما يسمع المؤمنون من يقول: أقدم حيزوم، ويخبرون النبي ﷺ بذلك فيقول (هذا جبريل) فيخبر عن جبريل ﵇ أنه أتى ليقاتل مع المؤمنين، وكذلك أتى جبريل ﵇ في يوم الخندق، ففرق الله الأحزاب عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأرسل عليهم جنداً من عنده وريحاً، وأتاهم الرعب والخوف فرحلوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وجعلها الله آية للنبي صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١].

فلما ابتلي المؤمنون وزلزلوا جاء النصر من عند الله ﷾، قال سبحانه: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]، فنصر الله ﷿ نبيه، وأنزل الملائكة فإذا به يرى جبريل، قال: (أتاني جبريل وعلى ثناياه النقع)، والثنية: السن الأمامية، و (النقع) الغبار والتراب.

ويقول للنبي ﷺ: (وضعت لأمتك، والله ما وضعت الملائكة أسلحتهم)، ثم أمره أن يتوجه إلى بني قريظة، فتوجه النبي ﷺ إلى بني قريظة، والملائكة معه.

والله قادر على أن يفني اليهود جميعهم ويهلكهم، ولكن هذه سنة الله في الكون كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ﴾ [التغابن:٢]، فأراد أن يبتلي أحد الفريقين بالآخر: فالمؤمن يزداد إيماناً ويزداد ثباتاً، ويكون قوياً صلباً في دينه.

ولم تقاتل الملائكة إلا في يوم بدر مع النبي ﷺ، ونزلت في غيره ولم تقاتل، ولكن لتكثر عدد المسلمين.

وفي يوم بدر كانت هناك معجزات عجيبة، من ذلك أن يقول رجل للنبي ﷺ: إنه رفع سيفه على الكافر، فطارت رقبته ولم يضربه.

فيقول النبي ﷺ: (أيدك الله بملك كريم).

ومن ذلك أن العباس عم النبي صلوات الله وسلامه عليه أسره رجل من المسلمين ضعيف وليس في قوة العباس ﵁، فيقول العباس للنبي ﷺ: ليس هذا أسرني.

فيقول النبي ﷺ: (أعانك عليه ملك كريم).

قال العباس ﵁: أنا لست مع الكفار.

قال النبي ﷺ: (كان ظاهرك علينا) وأمره النبي ﷺ أن يفدي نفسه، ففدى نفسه ﵁، وفدى عقيلاً أيضاً ابن أخيه، والله ﵎ أخلف عليه بعد ذلك كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] الآية.

فهنا لما أخبر الله سبحانه أنه ما أنزل من بعده على قومه من جند من السماء، إنما أرسل جبريل ﵇ فصاح في القوم صيحة، فأهلكهم الله ﷾، فتحسروا على أنفسهم: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، وجاء التحسر على وجه النداء كأنه قال: يا حسرة أقبلي، والحسرة الندامة والتلهف على الشيء الذي يفوت، ففاتهم الإيمان.

و (حسرة) نكرة ولذلك نصب المنادى مع كونه مفرداً، وهذا كقول من وقع في بئر: يا إنساناً أنقذني، وهو لا يعرف المنادى.

قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، أي: تعجبوا لأمر هؤلاء العباد الذين يستحقون أن يتحسروا على أنفسهم وينادوا على الحسرة وعلى الندامة حين لا تنفعهم، فيكون جعلهم محل من يتحسر عليه.

أو أن الله سبحانه جعل الويل عليهم، فتكون الحسرة تعني: يا ويل أقبل لهؤلاء، أو يا عذاب أقبل على هؤلاء القوم؛ فإنهم يستحقون ذلك.

وفي قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ [يس:٣٠]، قراءتان: قراءة الجمهور (ما يأتِيهِم).

وقراءة يعقوب، (ما يأتيهُم من رسول).

فأي رسول يبعث إلى قوم لا بد أن سفهاء القوم يسخرون منه ويستهزئون به.