تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى وجعلني من المكرمين)
فلما قال لهم الرسل ذلك، أرادوا إيذاء الرسل، وبلغ الخبر لرجل ممن آمن بهؤلاء الرسل، يسمى ب حبيب النجار وكان نجاراً، وقيل: كان إسكافياً صانع أحذية، وكان يصنع الأصنام للناس، وعبدها سنين طويلة من دون الله سبحانه، ثم جاءه رسل المسيح ﵊ فدعوه إلى الله سبحانه، وكان مجذوماً، فدعوا له الله سبحانه فشفي.
فما سمع خبر إيذاء المرسلين، جرى إليهم مسرعاً، وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١] فهؤلاء الرسل لم يطلبوا منكم مالاً، ولا مناصب، إنما جاءوا ليدعوكم إلى الرب سبحانه.
قال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢]، قد ذكرنا أنه أطال معهم في الكلام لعلهم يستجيبون، ولعلهم يخففون عن الرسل فلا يقتلونهم.
فقالوا له: وأنت كاذب، ثم قتلوه.
قال الله ﵎ عن هذا الإنسان المؤمن: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٢٢ - ٢٤].
وبعد هذا الحوار الطويل الذي لم يسفر عن فائدة قال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٥] فكشف عن حقيقة أمره، وأنه مؤمن مع هؤلاء الرسل.
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٦]، كأنه مجرد أن كشف عن حقيقة أمره أنه مؤمن قتلوه حالاً.
وقد جاء ابن مسعود ﵁ أنهم داسوه بالأقدام حتى قتلوه.
فلما قتل إذا بالله ﷿ يدخل روحه الجنة ويكون شهيداً عند الله سبحانه، فلما رأى الجنة والنعيم الذي عند الله سبحانه تحسر على قومه، وقال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
أي: يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي، وكيف صنع بي في هذا النعيم المقيم، وهذه الجنات العالية العظيمة.