Skip to content

تفسير أحمد حطيبة الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا كان من سنته

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٣٠٦/ ٥

الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا كان من سنته

ومثل ذلك ما صح عنه ﷺ أنه قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)، وفي رواية: (ببعض بكاء أهله عليه) فإن عائشة ﵂ قد خطأت الراوي أيضاً وهو عبد الله بن عمر ﵁ وقالت له: الحديث ليس هكذا، وإنما قال النبي ﷺ: (إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن) فالحديث يحتمل أن عائشة ﵂ سمعت ذلك من النبي ﷺ كما يحتمل أنها لم تسمع، ولكن ابن عمر سمع من النبي ﷺ: (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه) وقد احتجت عائشة ﵂ بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] وهو استدلال صحيح، ولكن لو أن الميت أوصى أهله بالبكاء عليه، أو علم من حال أهله أنهم في الجنائز يصوتون ويصرخون، ويندبون حظهم، ويتضجرون من قضاء الله سبحانه ولم ينكر عليهم ذلك؛ فإنه يعذب ببكائهم، وفيه أن الإنسان إذا مات وصرخت عليه النائحة فقالت: وا بعلاه فإن الملائكة يؤنبون هذا الإنسان ويقولون له: أنت كذلك! أنت كذلك! وكذا لو ندبت وقالت: يا من كان يطعمني! أو: يا من كان يسقيني، فإن الملائكة تنهر هذا الميت وتقوله: أنت كنت كذلك؟ أنت كنت كذلك؟ منكرين عليه؛ لأن الذي يطعم ويسقي هو الله سبحانه ﵎ وهو الرزاق ذو القوة المتين، وإنما يأخذ الإنسان حاجته من رزق الله سبحانه ﵎ كما أنه وإن صح الحديث عن النبي ﷺ في أن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه، فإن الصحيح أن الميت لا يعذب بكل بكاء أهله عليه فقد جاء في الحديث: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فإن النبي ﷺ قال ذلك حين توفي ابنه إبراهيم وفيه أن النبي ﷺ بكى على إبراهيم فدل على أن البكاء على الميت جائز وأن الميت لا يعذب به، وإنما يعذب الإنسان بفلتات لسانه وما يقوله تضجراً على الله سبحانه ﵎ وتبرماً بقضاء الله وقدره سبحانه.

ولذا فإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا صرخوا وندبوا، أما البكاء الذي يسيل فيه الدمع من العين ويحزن ولا يصرخ فيه الإنسان ولا يندب حظه، ولا يشق ثوبه، ولا ينتف شعره؛ فإن الميت لا يعذب به، كما يجدر التنبيه على أن الحي الذي يفعل ذلك وهو الندب والشق، إن لم يتب إلى الله ﷿ فإنه يعذب يوم القيامة قال النبي ﷺ: (النائحة إذا لم تتب تأتي يوم القيامة وعليها سربال من جرب ورداء من قطران) أي أنها تعذب في نار جهنم، والعياذ بالله.