تفسير أحمد حطيبة
موقف أنس بن النضر يوم أحد
قال أنس رضي الله ﵎ عنه: فشهد يوم أحد، يعني: عمه أنس بن النضر.
قال: فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون؛ لأن أكثر المسلمين فروا يوم أحد عن رسول الله ﷺ، وقد نصرهم الله في البداية بثباتهم وبطاعتهم للنبي ﷺ، فلما طمع الرماة في الغنيمة، وتركوا أماكنهم التي حذرهم النبي ﷺ من أن يتركوها، ونزلوا يجمعون الغنيمة، جعل الله ﷿ الدائرة عليهم بعدما انتصروا، فهزموا هزيمة منكرة؛ بسبب معصيتهم للنبي ﷺ.
فلما رأى أنس بن النضر في يوم أحد المسلمين منهزمين قال رضي الله ﵎ عنه: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء.
أي: الذين هربوا، يعتذر لله ﷿ مما لا ذنب له فيه، ولكنه قال ذلك تأدباً مع الله.
قال: وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني: المشركين.
ثم تقدم للقتال، في وقت كان الكفار فيه أربعة أضعاف المسلمين.
وقد كان عدد جيش المسلمين يوم أحد ألفاً ويزيدون قليلاً، وعدد الكفار ثلاثة آلاف، ثم عاد المنافق الملعون عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث جيش النبي ﷺ من الطريق، وهرب به، راجعاً إلى المدينة، وترك النبي ﷺ بين الستمائة إلى السبعمائة من المسلمين.
فكان الكفار أربعة أضعاف المسلمين عندما فر هذا المنافق عن النبي ﷺ بمن معه.
فلما وجد أنس بن النضر المسلمين منهزمين يوم أحد قال لله ﷿: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، وتقدم لهذا الجمع العظيم من الكفار ليقاتل وحده ﵁ فيراه سعد بن أبي وقاص رضي الله ﵎ عنه، وكان أيضاً من الشجعان.
يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: إنه استقبله وهو آت، وفي رواية أخرى: أنه استقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ! الجنة ورب النضر.
يقسم بالرب ﷾ أنه ينظر إلى الجنة، فيقدم على الكفار وكأنه يرى الجنة أمامه، فيقول: إني أجد ريحها دون أحد.
أي: أشم رائحة الجنة دون أحد.
قال سعد بن معاذ ﵁: فما استطعت -يا رسول الله- ما صنع.
يعني: وهو من الشجعان، قال: ولكن ما قدرت أن أفعل ما فعله هذا الرجل العظيم ﵁.
قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف، والإنسان قد يضرب ضربة أو ضربتين فيقع، وهذا وجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، فكم الذين هجموا عليه رضي الله تعالى عنه حتى يتسنى لأحدهم أن يضربه بالسيف، والثاني يرميه بالرمح والثالث يرميه بالسهم؟ لا شك أنهم كانوا مجموعات كثيرة من الكفار قد هجموا على هذا الرجل الواحد من المؤمنين، رضي الله ﵎ عنه، حتى قتلوه.
فمن شدة ما صنع بهم اغتاظوا منه، فمثلوا به وشوهوه، وقطعوه حتى لم يعرفه أحد، ولم تعرفه إلا أخته ببنانه، أي: بأصبعه؛ فقد قطعه الكفار ومزقوه، حتى لم يعرف وجهه من جسده وإنما عرف بأصبعه، رضي الله ﵎ عنه، فقد كان في أصبعه أثر فعرفته أخته بهذا الأثر، رضي الله ﵎ عنه.
قال أنس ﵁: فكنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه، يعني قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، وأخته تسمى الربيع بنت النضر.
وقد كانت عائلة أنس بن مالك ﵁ عائلة عفيفة جداً، هذا عمه أنس بن النضر ﵁ الذي عرفناه، وأمه هي أم سليم، وخالته أم حرام بنت ملحان رضي الله ﵎ عن الجميع، وزوج أمه أبو طلحة الأنصاري ﵁.