تفسير أحمد حطيبة
معنى قوله تعالى (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)
قال الله سبحانه: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦].
وقال الله سبحانه في أول سورة النساء: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] يعني: اتقوا الله ﷾ الذي تساءلون به، يعني: ينشد بعضكم بعضاً بالله، فتقول: بالله افعل كذا وكذا، وأيضاً تتساءلون بالأرحام، فتقول للإنسان: راع الرحم التي بيني وبينك، فتنشده الرحم بمعنى مراعاة الرحم ومراعاة القرابة التي بيني وبينك، وهذا على قراءة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١].
وفي القراءة الأخرى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] يعني: اتقوا الأرحام أن تقطعوها، فالأرحام هي القرابات، فهنا يقول الله سبحانه: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ﴾ [الأحزاب:٦] يعني: القرابات الأنسباء: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦] أي: في المواريث.
وسبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الإسلام لما كان المؤمن في مكة يترك أقاربه الكفار، فجعل النبي ﷺ مؤاخاة بين المؤمن والمؤمن، حتى تزداد الصلة فيما بينهم، فكانوا يتوارثون بذلك، فلما هاجر أهل مكة إلى المدينة آخى النبي ﷺ بين تسعين من المهاجرين والأنصار، فكانت هذه الأخوة الإيمانية تربط الجميع، وكانوا يتوارثون بها، فإذا مات أنصاري وله أخ من المهاجرين ورثه، فبعدما نزلت هذه الآية جعل الله ﷿ الأخوة التي كانت بينهم أخوة الإسلام، لكن ليست أولى من أخوة النسب في الإرث، فجعل التوريث بين المسلمين بالقرابات، فقال الله سبحانه: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦] من المؤمنين أي الأنصار الذين في المدينة، والمهاجرين الذين هاجروا إليهم، فصار كل إنسان يرثه قريبه من المؤمنين وهم يرثونه.
يقول الزبير ﵁ في هذه الآية: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦]: وذلك أنا معشر قريش قدمنا المدينة ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد قال عروة بن الزبير: فارتث كعب يوم أحد، يعني: جرح في يوم أحد جراحة شديدة، فجاء الزبير يقوده بزمام راحلته، فلو مات يومئذ كعب من الضح والريح لورثه الزبير.
يعني: لو كان مات كعب بن مالك يوم أحد من جراحه لكان الذي سيرثه الزبير ﵁، والزبير مهاجري وكعب أنصاري، لكن لم يحدث هذا، ونزلت هذه الآية بعد ذلك وألغت أمر التوارث بالهجرة والنصرة.
قال: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ﴾ [الأحزاب:٦] أي: بالأنسباء.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦] في حكم الله.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٦] يعني بالوصية أن تفعل معروفاً مع هؤلاء، فتوصلهم بشيء من الثلث فما دونه، فهذا جائز.
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦] مسطور بمعنى: مكتوب، فهذا حكم الله ﷿ في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنزله في القرآن العظيم، وجعله حكماً مكتوباً لتقرءوه ولتعملوا به.