Skip to content

تفسير أحمد حطيبة ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٢٢٩/ ٥

ابتلاء النبي ﷺ

وقد أرادت اليهود قتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فحينما جلس تحت حائط من حيطانهم أمروا أحدهم أن يصعد فوق الحائط ليرمي عليه حجراً؛ ليقتل النبي ﷺ.

وقد أوذي النبي ﷺ أذى شديداً بالأقوال وبالأفعال، وقد أوذي من الإنس، ومن الشياطين ﵊، ثم نصره الله سبحانه، وأيد دينه ورفع ذكره ﵊، وأجره على صبره صلوات الله وسلامه عليه.

وقد كان مرة يصلي فتفلت عليه شيطان وفي يده شعلة من النار أراد أن يحرق بها النبي ﷺ، وكان يوماً جالساً ﷺ على حصير له فإذا بالشيطان يوعز لفأرة فتخطف شيئاً من النار وتأتي وتلقيه الحصير لتحرقه صلوات الله وسلامه عليه.

ويمسك شيطاناً بيده ﷺ، ويخنقه وهو يتفلت عليه في صلاته يريد أن يقطع على النبي ﷺ صلاته، ويتذكر دعوة سليمان ﵊: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فيتركه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء شياطين الجن، وأما شياطين الإنس فكان على رأسهم أبو جهل الذي قال النبي ﷺ عنه: (هذا فرعون هذه الأمة)، فقد كان يكيد للنبي ﷺ كيداً عظيماً، وكان عمه أبو لهب يمشي وراءه في الطرقات يشتمه ﵊، فيقول: هذا كذاب، نحن أهله أعلم به، كان يمشي النبي ﷺ في الطريق ليدعو الناس إلى الله ﷿ ووراءه عمه يقول: هذا كذاب، هذا ساحر، هذا كذا، حتى يتفرق الناس عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكانت قريش إذا جاء أحد من خارج القبيلة قالوا له: لا تذهب إليه، إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كذا، ﵊.

وكانت امرأة أبي لهب حمالة الحطب العوراء أم جميل لعنة الله عليها وعلى زوجها، كانت تقف للنبي ﷺ لتشتمه، ﵊، وكانوا يحرفون اسمه من محمد إلى مذمم، ﵊، ويشتمونه ويسبونه ﵊.

هذا مما ابتلي به النبي ﷺ، ولم يكن به هوان على الله ﷿ حتى يبتلى ويشتم صلوات الله وسلامه عليه، ولكن كان له ﷺ درجة عالية عظيمة عند الله لا ينالها إلا بذلك، وبالصبر على ذلك، فصبر ﷺ حتى فتح الله ﷿ له ونصره سبحانه ﵎، وقد كانوا يكيدون له ﷺ، ولكن الله يحميه ويحرسه، وإن كان قد يؤذى وقد يناله من التعب ومن النصب، ومن إسالة دمه ﷺ في حروبهم وقتالهم وغزوهم، ثم بعد ذلك يفتح الله ﷿ له من فضله ومن رحمته، ولما فتحت الدنيا للنبي ﷺ وانتصر وجاء نصر الله سبحانه، وفتحت مكة في العام الثامن، لم يذهب يحج ﷺ؛ لوجود المشركين في مكة يحجون بيت الله، وهم يشركون بالله، ويطوفون بالبيت عراة رجالاً ونساءً، فلم يذهب ليطوف مع هؤلاء الكفار المشركين العراة، وإنما أرسل أبا بكر في العام التاسع ينادي: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فانتهى الناس، فحج في العام العاشر صلوات الله وسلامه عليه ومعه الجم الغفير من خلق الله الذين وصل عددهم إلى حوالي مائة وثلاثين ألفاً من أصحابه ﵊، كلهم يأتمون به، فقد فتح الله ﷿ له القلوب والآذان، فقام يخطب في هذا الجمع العظيم في يوم عرفة، فأسمع الله الجميع خطبته صلوات الله وسلامه عليه، وكانت هذه الحجة الوحيدة التي حجها بعد هجرته صلوات الله وسلامه عليه، ومات بعدها بوقت يسير صلوات الله وسلامه عليه.

إذاً: لما فتحت له الدنيا، وفتحت له الأسماع والقلوب، انتهت وظيفته ﵊، فهو لم يخلق ليجني ثماراً في الدنيا، ولا لينال منها، وإنما خلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤] وقد بلغت الرسالة، فالآن نقبضك، حتى لا تتمتع من الدنيا بشيء، وليكون نصيبك موفراً كاملاً وحظاً عظيماً عند الله ﷾.