تفسير أحمد حطيبة
صبر ابن عباس وتأنيه في العلم
ولذلك وصل ابن عباس ﵁ إلى ما وصل إليه من العلم بصبره وحكمته رضي الله ﵎ عنه، فلم يقل: أنا ابن عم رسول الله ﷺ، علموني وأعطوني كذا، ولو قال ذلك فلعلهم يعلمونه ويعطونه لفضله ولقربه من النبي ﷺ، ولكنه تأدب متعلماً، فأذل نفسه متعلماً فصار حبراً عالماً رضي الله ﵎ عنه، فكان يعرف أن حديثاً عند أحد أصحاب النبي ﷺ فيذهب إليه في وقت الضحى، ويجلس عند بابه وينتظر حتى يخرج هذا الصحابي الفاضل، فإذا خرج سأله عبد الله بن عباس عن هذا الحديث.
فيقول الصحابي: لو طرقت علي بابي؟ قال ابن عباس: لا، ولكن هكذا يتعلم العلم، أي: لا أطرق بابك بل أنتظر حتى أن تقول لي هذا الشيء، فهذا عبد الله بن عباس رضي الله ﵎ عنه الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين، يريد العلم خلال فترة طويلة.
وهو مع عمر بن الخطاب ﵁ وقريب منه، وهو يعرف أن عمر يعرف حديث المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ، واللتان نزل فيهما قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:٤].
وكانتا السبب في أن النبي ﷺ آلى من نسائه ﵊ شهراً كاملاً، فإذا بـ ابن عباس ينتظر فرصة مناسبة من عمر، طال الوقت وهو ينتظر، حتى مر في سفر مع عمر رضي الله فسأله وهو يوضيه فقال: من المرأتان اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ؟ فقال عمر: ويحك يا ابن عباس! وذلك أن ابن عباس أخبره أنه بقي فترة طويلة منتظراً فرصة مناسبة ليسأل فيها عمر ﵁، حتى أخبره عمر بالحديث الطويل في ذلك.
فالإنسان عندما يتأنى تكون السلامة في تأنيه، وعندما يتعجل تكون العجلة سبباً في تضييعه أشياء كثيرة قد يحتاجها، وهذا لقمان صبر فتعلم رضي الله ﵎ عنه.