شرح رياض الصالحين - حطيبة
تعلم العلم ولو ممن هو دونك فيه
كان هذا الصحابي ﵁ منشغلاً بهذه الأذكار، قال: (فمر بنا -ونحن عند أبي الدرداء -فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك) وأبو الدرداء رجل فاضل، وصحابي عظيم ﵁، وعالم من علماء المسلمين فيقول له: كلمة، يعني: اجلس وقل لنا كلمة أو حدثنا حديثاً ينفعنا ولا يضرك.
ولم يقل له: تعال اجلس معنا لنضيع الوقت مع بعضنا، فجلس لهم هذا الرجل الفاضل ﵁ وقال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان وطعن وقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري).
يعني: أنه ضرب كافراً برمحه وقال له: خذها وأنا الغلام الغفاري، فانتسب لقومه، فهل جهاده صحيح أم لا؟ فقال أحد الجالسين: (ما أراه إلا قد بطل أجره)؛ لأنه افتخر بنسبه فبطل أجره.
قال: (فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأساً) فتنازع الاثنان إلى أن سمع النبي ﷺ ذلك فقال: (سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد).
ففي موضع القتال لا مانع من التنافس؛ لأنه في النهاية نصر للإسلام ونصر لدين الله ﷿، فجاز للمجاهد أن يظهر القوة أمام الكافر ولو بالخيلاء، حتى يرهب عدو الله سبحانه ﵎.
فقال الراوي: (فرأيت أبا الدرداء سر بذلك وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ؟ فيقول: نعم، فيكرر عليه: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ؟ فيقول: نعم، قال: فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول ليبركن على ركبتيه).
يعني: من شدة فرح أبي الدرداء بهذا الحديث وأن الرجل لم يبطل عمله، وكأنه شاهد الكثيرين يفعلون ذلك، فلما سمع ذلك فرح أن هؤلاء لم تحبط أعمالهم ﵃ فقال ذلك.
قال: (فمر بنا يوماً آخر) أي: في يوم آخر.
(فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك) أي: مثل الكلمة السابقة، وهل أبو الدرداء لم يكن يحفظ أحاديث يحدث بها؟ فهذا دليل على أن العلم مطلوب للعالم والمتعلم، فقد روى أبو الدرداء أحاديث كثيرة جداً أكثر مما روى ابن الحنظلية ﵄، لكنه مع ذلك أحب أن يستفيد علماً إلى علمه من علم النبي ﷺ، فقال له: قل لنا كلمة تنفعنا ولا تضرك.