البداية والنهاية - ط دار ابن كثير
فردَّه إلى المدينة فتسلَّمه عبدُ الواحد فضربه وأخذ ماله حتى تركه في جبَّة صوف، يسألُ الناسَ بالمدينة؛ وكان قد باشر نيابةَ المدينة ثلاثَ سنين وأشهرًا؛ وكان الزهريُّ قد أشارَ عليه برأي سديد، وهو أن يسألَ العلماء إذا أشكلَ عليه أمر، فلم يقبلْ، ولم يفعلْ، فأبغضهُ الناس، وذمَّهُ الشعراء، ثم كان هذا آخر أمره.
وفيها عزَلَ عمرُ بن هُبيرة عن إمرة خراسان سعيدَ بن عمرٍو الحَرشي؛ وذلك أنه كان يستخفُّ بأمرِ عمرَ بنِ هُبيرة؛ فلما عزله أحضرهُ بين يديه وعاقبه وأخذَ منه أموالًا كثيرة، وأمر بقتْله، ثم عفا عنه، وولَّى على خُراسان مسلمَ بن سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابي، فسار إليها فاستخلص أموالًا كانتْ منكسرة في أيام سعيد بن عمرو الحَرَشي.
وفيها غزا الجرَّاحُ بن عبد الله الحَكمي نائبُ أرمينيةَ وأذْربيجان، أرضَ الترك، ففتح بَلَنْجر، وهزم الترك وغرَّقهم وذَرَاريَّهُمْ في الماء، وسَبَى منهم خلقًا كثيرًا، وافتتح عامة الحصون التي تلي بَلَنْجَر (١)، وأجلى عامة أهلها، [والتقى هو والخاقان الملك، فجرَتْ بينهم وقعةٌ هائلة، آل الأمرُ فيها إلى أن انهزم خاقان، وتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، قُتل فيها خلقٌ كثير لا يُحصَوْن] (٢).
وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الواحد بن عبد الله النَّصْري (٣) أميرُ الحرمين والطائف، وعلى نيابةِ العراق وخراسان عمر بنُ هبيرة، ونائبه على خراسان مسلم بن سعيد يومئذ.
وفي هذه السنة ولد السفاح وهو أبو العباس عبدُ الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقَّب بالسفَّاح، أول خلفاء بني العباس، وقد بايَعَ أباه في الباطن جماعةٌ من أهل العراق.
وفيها توفي من الأعيان:
خالد بن مَعْدان الكَلاعي (٤): [له رواياتٌ عن جماعة من الصحابة، وكان تابعيًّا جليلًا، وكان من