سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ
فلما ولي الوزارة محمد بن علي بن أحمد ابن القصاب في شعبان سنة ٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م (١)، قبض على ابن يونس وكانت بينهما عداوة وراح يتتبع أصحابه، فقال له عبد السلام: أين أنت من ابن الجوزي؟ هو كان من أكابر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرق كتبي بمشورته. فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر لدين الله، وساعده على ذلك جماعة، ولبسوا عليه الأمر، فأمر بتسليمه إلى عبد السلام (٢).
ولعل الخليفة كان مضطغنا كذلك على أبي الفرج لما أورده في تاريخه «درة الإكليل»، الذي ذيل فيه على تاريخه «المنتظم» (٣)، فرآها فرصة لاعتقاله.
وتركت هذه الحادثة آثارا لا تمحى في ذاكرة الصبي، طفت فيما بعد على قلمه، فكتب يقول: «كان جدي يسكن بباب الأزج في دار بنفشا (٤)، وكان الزمان صيفا، وهو جالس في السرداب يكتب، وأنا صبي صغير، وإذا بعبد السلام قد هجم عليه في السرداب، وأسمعه غليظ الكلام، وختم على كتبه وداره، وشتت عياله، وجرى عليهم ما لم يجر على أقل الناس. فلما كان أول الليل حملوا جدي إلى سفينة، فأنزلوه فيها، ونزل معه عبد السلام لا غير، وعلى جدي غلالة بغير سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، وحدروه إلى واسط، واستوفى منه الكلام، وجدي لا يجيبه» (٥)