صور من حياة الصحابة
الله ﷺ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا لِيَحْكُمَ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ مِنْ أَمْوَالِنَا اخْتَلَفْنَا فِيهَا، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَرْضِيُّونَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمُ الْقَوِيُّ الْأَمِينَ).
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:
فَرُحْتُ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مُبَكِّرًا، وَإِنِّي مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ حُبِّي إِيَّاهَا يَوْمَئِذٍ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَ هَذَا النَّعْتِ …
فَلَمَّا صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ الظُّهْرَ، جَعَلَ يَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِي، فَلَمْ يَزَلْ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِينَا حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ:
(اخْرُجْ مَعَهُمْ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) …
فَقُلْتُ: ذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ.
* * *
وَلَمْ يَكُنْ أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِينًا فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَجْمَعُ الْقُوَّةَ إِلَى الْأَمَانَةِ، وَقَدْ بَرَزَتْ هَذِهِ الْقُوَّةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْطِنٍ:
بَرَزَتْ يَوْمَ بَعَثَ الرَّسُولُ ﷺ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ لِيَتَلَقَّوْا عِيرًا (١) لِقُرَيْشٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵃ وَعَنْهُ، وَزَوَّدَهُمْ جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَهُمْ غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِي الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً، فَيَمُصُّهَا الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ ضَرْعَ أُمِّهِ، ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا مَاءً؛ فَكَانَتْ تَكْفِيهِ يَوْمَهُ إِلَى اللَّيْلِ.
* * *