صور من حياة الصحابة
وَدَاعَ مُفَارِقٍ لَا يَعُودُ … ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَرَفَعَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الشَّهَادَةَ وَلَا تَرُدَّنِي إِلَى أَهْلِي خَائِبًا.
ثُمَّ انْطَلَقَ يُحِيطُ بِهِ أَبْنَاؤُهُ الثَّلَاثَةُ، وَجُمُوعٌ كَبِيرَةٌ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي "سَلَمَةَ".
وَلَمَّا حَمِي وَطِيسُ (١) الْمَعْرَكَةِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، شُوهِدَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ يَمْضِي فِي الرَّعِيلِ (٢) الْأَوَّلِ، وَيَثِبُ عَلَى رِجْلِهِ الصَّحِيحَةِ وَثْبًا وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى الْجَنَّةِ، إِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى الْجَنَّةِ … وَكَانَ وَرَاءَهُ ابْنُهُ "خَلَّادٌ".
وَمَا زَالَ الشَّيْخُ وَفَتَاهُ يُجَالِدَانِ (٣) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى خَرَّا صَرِيعَيْنِ شَهِيدَيْنِ عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، لَيْسَ بَيْنَ الِابْنِ وَأَبِيهِ إِلَّا لَحَظَاتٌ.
* * *
وَمَا إِنْ وَضَعَتِ الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا (٤) حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ لِيُوَارِيَهُمْ تُرَابَهُمْ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (خَلُّوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَجِرَاحِهِمْ، فَأَنا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ). ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُكْلَمُ (٥) فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسِيلُ دَمًا، اللَّوْنُ كَلَوْنِ الزَّعْفَرَانِ، وَالرِّيحُ كَرِيحِ الْمِسْكِ).
ثُمَّ قَالَ: (ادْفِنُوا عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَقَدْ كَانَا مُتَحَابَّيْنِ مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا).
* * *
رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ شُهَدَاءِ "أُحُدٍ"، وَنَوَّرَ لَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ (*).