شرح مختصر الكرخي
سائر فقهاء الأمصار، والله الموفق والمعين.
(قال الشيخ الجليل أبو الحسين أحمد بن محمد البغدادي رحمه الله تعالى: الكلام في تقديم مذهب أبي حنيفة ﵁ على غيره من المذاهب، إنما يتبيّن) (١) باستقراء المسائل والنظر في دلائلها؛ ليأخذ المجتهد بما يصح عنده في كل مسألة منها، إلا أنا ندل (٢) على هذا في الجملة؛ لأنّ من ليس بمجتهد إذا أراد الأخذ بقول فقيه، لزمه الرجوع إلى أولى الفقهاء في نفسه، والذي يدل على أن مذهب أبي حنيفة ﵁ أولى من غيره من المذاهب: أنه رحمه الله تعالى ولد في عصر الصحابة، وتفقَّه في زمن التابعين، وأفتى معهم، وناظر الشعبيَّ وطاووسَ وعطاءَ، وقد قال ﷺ: "خير القرون قرني الذي بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، فيَشهد الرجل قبل أن يُستشهد" (٣)، فمن [نشأ] وتعلّم وأفتى في عصر عدّل رسولُ الله ﷺ أهلَه، كان أبعد من البدع ممن نشأ في الزمان الذي لم يعدّل رسول الله ﷺ أهلَه، وقد روى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن [جَزْءٍ] الزبيدي (٤)، و [أبي الطفيل] عامر بن [واثلة] (٥) وغيرهم من الصحابة، [وأدرك عبد الله بن أبي أوفى أيضًا].