البستان في إعراب مشكلات القرآن
ثم وَعَدَهُ اليُسْرَ والرَّخاءَ بَعْدَ الشِّدّةِ، وذلك أنه كان ﷺ بِمَكّةَ في شِدّةٍ، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ والعُسْرُ: الشِّدّةُ والضِّيقُ والفَقْرُ وَشِدّةُ الفاقةِ والمَعاشِ، واليُسْرُ: الغِنَى وَحُسْنُ المَعاشِ.
والفاء فِي الأوَّلِ إشارةٌ إلَى اليُسْرِ بِفَتْحِ المَدائِنِ، حيث عَيَّرَهُ أهْلُ مَكّةَ بالفقر، والثانِي إلَى اليُسْرِ فِي الآخِرةِ، وهو ابتداء، والدليل على ابتدائه تَعَرِّيهِ مِنْ فاءٍ أو واو، والفاء لا تدخل إلّا في عطف أو جواب، وقولك: إنَّ مَعَ الفارِسِ سَيْفًا -مرتين- لا يُوجِبُ تَعَدُّدَ السَّيْفِ، لأن بناء التحذير على التكرار، ولا فاءَ فيه، وظاهر التلاوة عُسْرانِ ويُسْرانِ، إلا أنَّ المُرادَ عُسْرٌ واحد؛ لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليُسْرُ مذكور بلفظ التنكير، وكل واحد منهما غير الآخر (١).
قال الفَرّاءُ (٢): والعرب إذا ذَكَرَتْ نِكِرةً، ثم أعادَتْها بنَكِرةٍ مِثْلِها صارَتا اثنتين، كقولك: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقْ دِرْهَما، فالثانِي غَيْرُ الأَوَّلِ، فإذا أعادتها معرفةً فَهِيَ هِيَ، كقولك: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقِ الدِّرْهَمَ، فالثاني هو الأوَّلُ.