Skip to content

جامع الأصول الباب الثاني: في الاقتصاد والاقتصار في الأعمال

جامع الأصول

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Printed page ١/ ٣١٥

٩٧ - (م ت) حنظلة بن الربيع الأسيدي (١) ﵁ وكان من كُتَّاب رسول الله ﷺ قال: لَقيَنِي أبو بكر، فقال: كيف أنتَ يا حنظَلَةُ؟ قال: قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ قالَ: سبحان الله! ما تَقُولُ؟ قال: قُلْتُ: نكونُ عند رسولِ الله ﷺ، يُذكِّرُنا بالنَّار والجنَّةِ [حتَّى] (٢) كأنَّا رأيَ

Printed page ٣١٦

عَيْنٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ، عافَسْنا الأزْواج والأولاد، والضَّيْعات، ونسينا كثيرًا، قال أبو بكر ﵁: فوالله إنَّا لَنَلْقَى مثل هذا، فانطَلَقْتُ أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ، فقلت: نَافَقَ حنظلَةُ يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «وما ذاك؟» قلتُ: يا رسول الله نكون عندك تُذكِّرُنا بالنار والجنة [حتى] (٣) كأنَّا رأيَ عَيْنٍ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيْعاتِ، ونَسينا كثيرًا. فقال رسولُ الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو تَدومُونَ على ما تكونون عندي، وفي الذِّكرِ، لصافَحَتْكم الملائكة على فُرُشِكُم، وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلةُ ساعَةً وساعَةً - ثلاث مِرار -» (٤) .

وفي رواية قال: كُنَّا عند رسول الله ﷺ، فذكرَ النَّارَ، ثمَّ جِئتُ إلى البيتِ، فضاحَكْتُ الصِّبْيان، ولاعَبتُ المرأةَ، فخرجتُ، فلقيتُ أبا بكر، فذكرتُ ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكُرُ، فلقينا رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله نافق حنظلةُ، فقال: «مه؟» فحدثته بالحديث. وقال أبو بكر: وأنا فعلت مِثْلَ ما فَعلَ. فقال: «يا حنظلة، ساعةً وساعةً، لو كانت تكون قلوبُكم كما تكونُ عند الذكر لصافحتكم الملائكةُ، حتى تُسلِّمَ عليكم في الطريق» . أخرجه مسلم والترمذي.

Printed page ٣١٧

إلا أنَّ الترمذي قال: «ساعةً وساعةً، ساعةً وساعةً» (٥) .

واقتصر الترمذي أيضًا منه على طرف يسير قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أنكم تكُونُون كما تكونون عندي، لأظَلَّتْكُمُ الملائِكَةُ بأجنحتها» (٦) .

[شَرْحُ الْغَرِيبِ]

نافق: النفاق: ضد الإخلاص، وأراد به في الحديث: أنني في الظاهر إذا كنت عند النبي ﷺ أخْلصتُ، وإذا انفردت عنه رغبتُ في الدنيا، وتركتُ ما كنت عليه، فكأنه نوع من الظاهر والباطن، وما كان يرضى أن يُسامِحَ به نفسه، وكذلك كان الصحابة ﵃ أجمعين، يؤاخذون أنفسهم بأقل الأشياء.

رأي عين: جعلتَ الشَّيءَ رأي عينك، أي: بمرأى منك، وفي مقابلتك، وهو منصوب بإضمار «نَرى» .

عافَسْنَا: المعَافَسَةُ: المعالجة والممارسة والملاعبةُ.

الضَّيْعَاتُ: جمع ضَيْعَة، وهي الصناعةُ والحِرفَةُ.