Skip to content

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد باب: ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد، وسده طرق الشرك.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Printed page ٥٠٧

الثالثة: قوله: " لا يستجرينكم الشيطان "، مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.

الرابعة: قوله: " ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي ".

" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " ١ ٢. وهذه الآفات قد تكون محبة المدح سببا لها وسلما إليها، والعجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وأما المادح فقد يفضي به المدح إلى أن ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها، كما يوجد كثيرا في أشعارهم من الغلو الذي نهى عنه الرسول ﷺ، وحذر أمته أن يقع منهم، فقد وقع الكثير منه حتى صرحوا فيه بالشرك في الربوبية والإلهية والملك، كما تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك. والنبي ﷺ لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح، صيانة لهذا المقام، وأرشد الأمة إلى ترك ذلك نصحا لهم، وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده، أو يضعفه من الشرك ووسائله. " ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ٣، ورأوا أن فعل ما نهاهم ﷺ عن فعله قربة من أفضل القربات، وحسنة من أعظم الحسنات!

وأما تسمية العبد بالسيد فاختلف العلماء في ذلك.

قال العلامة ابن القيم في بدائع الفوائد: " اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر. فمنعه قوم، ونقل عن مالك. واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: "يا سيدنا" قال: " السيد الله ﵎ " ٤. وجوّزه قوم، واحتجوا بقول النبي ﷺ للأنصار: " قوموا إلى سيدكم " ٥ ٦. وهذا أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء: السيد أحد ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي: سيد كِندة، ولا يقال: الملك سيد البشر. قال: وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم، وفي هذا نظر؛ فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو في منزلة المالك، والمولى والرب، لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق". انتهى.

قلت: فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال في معنى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ ٧: "أي إلها وسيدا". وقال في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٨: " أنه السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد ". وقال أبو وائل: " هو السيد الذي انتهى سؤدده ". وأما استدلالهم بقول النبي ﷺ للأنصار: " قوموا إلى سيدكم ". فالظاهر أن النبي ﷺ لم يواجه سعدا به، فيكون في هذا المقام تفصيل والله أعلم.