Skip to content

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير الحكم الاول

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي

Printed page ٥/ ١٩١

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ أَمْرٌ: وَلَيْسَ بِإِبَاحَةٍ فَإِنْ قِيلَ: الشُّكْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقَلْبِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْجَوَارِحِ، أَمَّا بِالْقَلْبِ فَهُوَ إِمَّا الْعِلْمُ بِصُدُورِ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمُنْعِمِ، أَوِ الْعَزْمُ عَلَى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسَانِ وَبِالْجَوَارِحِ، أَمَّا ذَلِكَ الْعِلْمُ فَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ كَمَالِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَنْسَى ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ ضَرُورِيًّا فَكَيْفَ يُمْكِنُ إِيجَابُهُ، وَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ فَذَلِكَ الْعَزْمُ الْقَلْبِيُّ مَعَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ، فَإِذَا بَيَّنَّا أَنَّهُمَا لَا يُجِيبَانِ كَانَ الْعَزْمُ بِأَنْ لَا يَجِبَ أَوْلَى، وَأَمَّا الشُّكْرُ بِاللِّسَانِ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يُقِرَّ بِالِاعْتِرَافِ لَهُ بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا أَوْ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَهَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَأَمَّا الشُّكْرُ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ فَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَفْعَالٍ دَالَّةٍ عَلَى تَعْظِيمِهِ، وَذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ/ قُلْنَا الَّذِي تَلَخَّصَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ وَإِظْهَارُ ذَلِكَ بِاللِّسَانِ أَوْ بِسَائِرِ الْأَفْعَالِ إِنْ وُجِدَتْ هُنَاكَ تُهْمَةٌ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي هَذِهِ الْآيَةِ وجوها. أَحَدُهَا: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ عَارِفِينَ بِاللَّهِ وَبِنِعَمِهِ، فَعَبَّرَ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ، إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ. وَثَانِيهَا: مَعْنَاهُ: إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ فَاشْكُرُوهُ، فَإِنَّ الشُّكْرَ رَأْسُ الْعِبَادَاتِ. وَثَالِثُهَا: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَكُمْ هَذِهِ النِّعَمَ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أَيْ إِنْ صَحَّ أَنَّكُمْ تَخُصُّونَهُ بِالْعِبَادَةِ وَتُقِرُّونَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُنْعِمُ لَا غَيْرُهُ،

عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ فِي نَبَأٍ عَظِيمٍ أَخْلُقُ وَيُعْبَدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُ وَيُشْكَرُ غَيْرِي»

. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُعَلَّقَ بِلَفْظِ: إِنْ، لَا يَكُونُ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ الْأَمْرَ بِالشُّكْرِ بِكَلِمَةِ «إن» على فعل العبادة، مَعَ أَنَّ مَنْ لَا يَفْعَلُ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ يجب عليه الشكر أيضا.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٣]

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)

[الحكم الاول]

اعْلَمْ أَنَّهُ ﷾ لَمَّا أَمَرَنَا فِي الْآيَةِ السَّالِفَةِ بِتَنَاوُلِ الْحَلَالِ فَصَّلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْوَاعَ الْحَرَامِ، وَالْكَلَامُ فِيهَا عَلَى نَوْعَيْنِ. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي اسْتَنْبَطَهَا الْعُلَمَاءُ مِنْ هذه الآية «فالنوع الأول» [أي ما يتعلق بالتفسير] [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وما أحل به لغير الله] فِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ «إِنَّمَا» عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفًا وَاحِدًا، كَقَوْلِكَ: إِنَّمَا دَارِي دَارُكَ، وَإِنَّمَا مَالِي مَالُكَ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ (مَا) مُنْفَصِلَةً مِنْ: إِنَّ، وَتَكُونُ (مَا) بِمَعْنَى الَّذِي، كَقَوْلِكَ: إِنَّ مَا أَخَذْتَ مَالُكَ، وَإِنَّ مَا رَكِبْتَ دَابَّتُكَ، وَجَاءَ فِي التَّنْزِيلِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، أَمَّا عَلَى الأول فقوله: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ وإِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ [هُودٍ: ١٢] وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَقَوْلُهُ: إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [طه: ٦٩] وَلَوْ نَصَبْتَ كَيْدَ سَاحِرٍ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ «إِنَّمَا» حَرْفًا وَاحِدًا كَانَ صَوَابًا، وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] تَنْصِبُ الْمَوَدَّةَ وَتَرْفَعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: «إِنَّمَا» تُفِيدُ الْحَصْرَ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ وَالشِّعْرِ/ وَالْقِيَاسِ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النِّسَاءِ: ١٧١]