Skip to content

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير [سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٠]

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي

Printed page ١٣/ ٨٨

وَجَبَ إِسْنَادُهَا إِلَى الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ الْحَكِيمِ الرَّحِيمِ الْمُدَبِّرِ لِهَذَا الْعَالَمِ عَلَى وِفْقِ الرَّحْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ.

وَلَمَّا نَبَّهَ اللَّه سُبْحَانَهُ عَلَى مَا فِي هَذَا الْوَجْهِ اللَّطِيفِ مِنَ الدَّلَالَةِ قَالَ: إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ لِمَنْ يَطْلُبُ الْإِيمَانَ باللَّه تَعَالَى، لِأَنَّهُ آيَةٌ لِمَنْ آمَنَ وَلِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ/ وَجْهُ تَخْصِيصِ الْمُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ أَنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ كَمَا تقدم تقريره في قوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ دَلَالَةَ هَذَا الدَّلِيلِ عَلَى إِثْبَاتِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ ظَاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ جَلِيَّةٌ، فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: لِمَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْخَلْقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ وُجُودِ مِثْلِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ الْجَلِيَّةِ الظَّاهِرَةِ الْقَوِيَّةِ؟

فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ قُوَّةَ الدَّلِيلِ لَا تُفِيدُ وَلَا تَنْفَعُ إِلَّا إِذَا قَدَّرَ اللَّه لِلْعَبْدِ حُصُولَ الْإِيمَانِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى قُوَّتِهَا وَظُهُورِهَا دَلَالَةٌ لِمَنْ سَبَقَ قَضَاءُ اللَّه فِي حَقِّهِ بِالْإِيمَانِ، فَأَمَّا مَنْ سَبَقَ قَضَاءُ اللَّه لَهُ بِالْكُفْرِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ الْبَتَّةَ أَصْلًا، فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّخْصِيصِ التَّنْبِيهَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. واللَّه أعلم.

[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٠]

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)

في الآية مسائل:

[في قوله تعالى وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ] المسألة الأولى: [أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَثْبَتَ للَّه شُرَكَاءً] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْبَرَاهِينَ الْخَمْسَةَ مِنْ دَلَائِلِ الْعَالَمِ الْأَسْفَلِ وَالْعَالَمِ الْأَعْلَى عَلَى ثُبُوتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ. ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَثْبَتَ للَّه شُرَكَاءً، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا إِلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ هَاهُنَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الشَّرِيكَ للَّه فِرَقٌ وَطَوَائِفُ.

فَالطَّائِفَةُ الْأُولَى: عَبَدَةُ الْأَصْنَامِ فَهُمْ يَقُولُونَ الْأَصْنَامُ شُرَكَاءُ للَّه فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَلَكِنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ.

وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ، مُدَبِّرُ هَذَا الْعَالَمِ هُوَ الْكَوَاكِبُ، وَهَؤُلَاءِ فَرِيقَانِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا وَاجِبَةُ الْوُجُودِ لِذَاتِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا مُمْكِنَةُ الْوُجُودِ لِذَوَاتِهَا مُحْدَثَةٌ، وَخَالِقُهَا هُوَ اللَّه تَعَالَى، إِلَّا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوَّضَ تَدْبِيرَ هَذَا الْعَالَمِ الْأَسْفَلِ إِلَيْهَا وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ حَكَى اللَّه عَنْهُمْ أَنَّ الْخَلِيلَ ﵌ نَاظَرَهُمْ بِقَوْلِهِ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ وَشَرْحُ هَذَا الدَّلِيلِ قَدْ مَضَى.

وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا لِجُمْلَةِ هَذَا الْعَالَمِ بِمَا فيه من السموات وَالْأَرَضِينَ إِلَهَانِ:

/ أَحَدُهُمَا فَاعِلُ الْخَيْرِ. وَالثَّانِي فَاعِلُ الشَّرِّ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ حِكَايَةُ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ فَهَذَا تَقْرِيرُ نَظْمِ الْآيَةِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه وَإِبْلِيسَ أَخَوَانِ فاللَّه تَعَالَى خَالِقُ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ وَالْخَيْرَاتِ، وَإِبْلِيسُ خَالِقُ السِّبَاعِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالشُّرُورِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ بِهَذَا الْوَجْهِ يَحْصُلُ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ مُغَايِرَةٍ لِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالَّذِي يُقَوِّي هَذَا الْوَجْهَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصَّافَّاتِ: ١٥٨] وَإِنَّمَا وُصِفَ بِكَوْنِهِ مِنَ الْجِنِّ لِأَنَّ لَفْظَ الْجِنِّ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِتَارِ، وَالْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحَانِيُّونَ لَا يُرَوْنَ بِالْعُيُونِ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مُسْتَتِرَةٌ مِنَ الْعُيُونِ، فَبِهَذَا التَّأْوِيلِ