Skip to content

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧١ إلى ٧٢]

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي

Printed page ١٣/ ٢٥

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: بَيَانُ أَنَّ وُجُوهَ الْخَلَاصِ عَلَى تِلْكَ النَّفْسِ مُنْسَدَّةٌ، فَلَا وَلِيَّ يَتَوَلَّى دَفْعَ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ، وَلَا شَفِيعَ يَشْفَعُ فِيهَا، وَلَا فِدْيَةَ تُقْبَلُ لِيَحْصُلَ الْخَلَاصُ بِسَبَبِ قَبُولِهَا حَتَّى لَوْ جُعِلَتِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا فَدِيَةً مِنْ عَذَابِ اللَّه لَمْ تَنْفَعْ. فَإِذَا كَانَتْ وُجُوهُ الْخَلَاصِ هِيَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الدُّنْيَا، وَثَبَتَ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ فِي الْآخِرَةِ الْبَتَّةَ، وَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا الْإِبْسَالُ الَّذِي هُوَ الِارْتِهَانُ وَالِانْغِلَاقُ وَالِاسْتِسْلَامُ، فَلَيْسَ لَهَا الْبَتَّةَ دَافِعٌ مِنْ عَذَابِ اللَّه تَعَالَى، وَإِذَا تَصَوَّرَ الْمَرْءُ كَيْفِيَّةَ الْعِقَابِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكَادُ يُرْعِدُ إِذَا أَقْدَمَ عَلَى مَعَاصِي اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ مَا بِهِ صَارُوا مُرْتَهَنِينَ وَعَلَيْهِ مَحْبُوسِينَ، فَقَالَ لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ وَذَلِكَ هُوَ النِّهَايَةُ فِي صِفَةِ الْإِيلَامِ. واللَّه أَعْلَمُ.

[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧١ الى ٧٢]

قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)

[في قوله تعالى قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله إِذْ هَدانَا اللَّهُ] اعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الرَّدُّ عَلَى عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ وَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى قَبْلَ ذَلِكَ: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فقال: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ أَنَعْبُدُ مَنْ دُونِ اللَّه النَّافِعِ الضَّارِّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِنَا وَلَا عَلَى ضُرِّنَا، وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا رَاجِعِينَ إِلَى الشِّرْكِ بَعْدَ أَنْ أَنَقْذَنَا اللَّه مِنْهُ وَهَدَانَا لِلْإِسْلَامِ؟

وَيُقَالُ لِكُلِّ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ إِنَّهُ رَجَعَ إِلَى خَلْفٍ، وَرَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِنْسَانِ هُوَ الْجَهْلُ، ثُمَّ إِذَا تَرَقَّى وَتَكَامَلَ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ. قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ [النَّحْلِ: ٧٨] فَإِذَا رَجَعَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى الْجَهْلِ مَرَّةً أُخْرَى فَكَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ يُقَالُ: فُلَانٌ رُدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ [إلى قوله إِلَى الْهُدَى ائْتِنا] فَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ هَذَا الْإِنْسَانَ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الصِّفَاتِ:

الصِّفَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ حَمْزَةُ اسْتَهْوَاهُ بِأَلِفٍ مُمَالَةٍ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ يَصْلُحُ أَنْ يُذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الْجَمْعِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يُؤَنَّثَ عَلَى مَعْنَى الْجَمَاعَةِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِ اسْتَهْوَتْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهُوِيِّ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ النُّزُولُ مِنَ الْمَوْضِعِ الْعَالِي إِلَى الْوَهْدَةِ السَّافِلَةِ الْعَمِيقَةِ فِي قَعْرِ الْأَرْضِ، فَشَبَّهَ اللَّه تَعَالَى حَالَ هَذَا الضَّالِّ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ [الْحَجِّ: ٣١] وَلَا شَكَّ أَنَّ حَالَ هَذَا الْإِنْسَانِ عِنْدَ هُوِيِّهِ مِنَ الْمَكَانِ الْعَالِي إِلَى الْوَهْدَةِ الْعَمِيقَةِ الْمُظْلِمَةِ يَكُونُ فِي غَايَةِ الِاضْطِرَابِ وَالضَّعْفِ وَالدَّهْشَةِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْمَيْلِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا بَلَغَ/ النِّهَايَةَ فِي الْحَيْرَةِ،