Skip to content

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير [سورة المائدة (٥) : آية ٧٥]

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي

Printed page ١٢/ ٤٠٩

وَرُوحُ الْقُدُسِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْقُرْصَ وَالشُّعَاعَ وَالْحَرَارَةَ، وَعَنُوا بِالْأَبِ الذَّاتَ، وَبِالِابْنِ الْكَلِمَةَ، وَبِالرُّوحِ الْحَيَاةَ، وَأَثْبَتُوا الذَّاتَ وَالْكَلِمَةَ وَالْحَيَاةَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ كَلَامُ اللَّه اخْتَلَطَتْ بِجَسَدِ عِيسَى اخْتِلَاطَ الْمَاءِ بِالْخَمْرِ، وَاخْتِلَاطَ الْمَاءِ بِاللَّبَنِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْأَبَ إِلَهٌ، وَالِابْنَ إِلَهٌ، وَالرُّوحَ إِلَهٌ، وَالْكُلَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ لَا تَكُونُ وَاحِدًا، وَالْوَاحِدَ، لَا يَكُونُ ثَلَاثَةً، وَلَا يُرَى فِي الدُّنْيَا مَقَالَةٌ أَشَدُّ فَسَادًا وَأَظْهَرُ بُطْلَانًا مِنْ مَقَالَةِ النَّصَارَى.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ فِي (مِنْ) قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا صِلَةٌ زَائِدَةٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا إِلَهٌ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُفِيدُ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا فِي الْوُجُودِ مِنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ إِلَّا فَرْدٌ وَاحِدٌ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ:

لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى هَذَا الدِّينِ لأن كثيرا منهم تابوا عن النصرانية. ثم قال تعالى:

[سورة المائدة (٥) : آية ٧٤]

أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)

قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا أَمْرٌ فِي لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [الْمَائِدَةِ: ٩١] فِي آية تحريم الخمر.

[سورة المائدة (٥) : آية ٧٥]

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أَيْ مَا هُوَ إِلَّا رَسُولٌ مِنْ جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِ جَاءَ بِآيَاتٍ مِنَ اللَّه كَمَا أَتَوْا بِأَمْثَالِهَا، فَإِنْ كَانَ اللَّه أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَا الْمَوْتَى عَلَى يَدِهِ فَقَدْ أَحْيَا الْعَصَا وَجَعَلَهَا حَيَّةً تَسْعَى وَفَلَقَ الْبَحْرَ عَلَى يَدِ مُوسَى، وَإِنْ كَانَ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ وَفِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا صَدَّقَتْ بِآيَاتِ رَبِّهَا وَبِكُلِّ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ وَلَدُهَا. قَالَ تَعَالَى فِي صِفَتِهَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ [التَّحْرِيمِ: ١٢] وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا

[مَرْيَمَ: ١٧] فَلَمَّا كَلَّمَهَا جِبْرِيلُ وَصَدَّقَتْهُ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الصِّدِّيقَةِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهَا صِدِّيقَةً غَايَةُ بُعْدِهَا عَنِ الْمَعَاصِي وَشِدَّةُ جِدِّهَا وَاجْتِهَادِهَا فِي إِقَامَةِ مَرَاسِمِ الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّ الْكَامِلَ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ يُسَمَّى صِدِّيقًا قَالَ تَعَالَى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النِّسَاءِ: ٦٩] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ النَّصَارَى، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ أُمٌّ فَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَخْلُوقًا لَا إِلَهًا، وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ، لِأَنَّهُمَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إِلَى الطَّعَامِ أَشَدَّ الْحَاجَةِ، وَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا. الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ قَوْلَهُ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدَثِ لِأَنَّ مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ فَإِنَّهُ لَا بدّ