Skip to content

فتح القدير للشوكاني [سورة النساء (٤) : الآيات ٣٢ إلى ٣٤]

فتح القدير للشوكاني

الشوكاني

Printed page ١/ ٥٣٠

[سورة النساء (٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]

وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)

قَوْلُهُ: وَلا تَتَمَنَّوْا التَّمَنِّي: نَوْعٌ مِنَ الْإِرَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، كَالتَّلَهُّفِ: نَوْعٌ مِنْهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَتَمَنَّى الْإِنْسَانُ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ عَدَمِ الرِّضَا بِالْقِسْمَةِ الَّتِي قَسَمَهَا اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ عَلَى مُقْتَضَى إِرَادَتِهِ وَحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ، وَفِيهِ أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ الْحَسَدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إِذَا صَحِبَهُ إِرَادَةُ زَوَالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنِ الْغَيْرِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْغِبْطَةِ هَلْ تَجُوزُ أَمْ لَا؟ وَهِيَ: أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ بِهِ حَالٌ مِثْلُ حَالِ صَاحِبِهِ، مِنْ دُونِ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ ذَلِكَ الْحَالِ عَنْ صَاحِبِهِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ: إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ: «بَابَ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ» .

وَعُمُومُ لَفْظِ الْآيَةِ يَقْتَضِي: تَحْرِيمَ تَمَنِّي مَا وَقَعَ بِهِ التَّفْضِيلُ سَوَاءٌ كَانَ مَصْحُوبًا بِمَا يَصِيرُ بِهِ مِنْ جِنْسِ الْحَسَدِ أَمْ لَا، وَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْعُمُومِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَكِنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وَقَوْلُهُ: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ إِلَخْ، فِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وَرُجُوعٌ إِلَى مَا يَتَضَمَّنُهُ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ: مِنْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا نَغْزُو وَلَا نُقَاتِلُ فَنَسْتَشْهِدُ، وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ، فَنَزَلَتْ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا السَّبَبِ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ نَصِيبًا عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ إِرَادَتُهُ وَحِكْمَتُهُ، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْعُولِ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْ فَرِيقَيِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بِالنَّصِيبِ مِمَّا اكْتَسَبُوا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ، شَبَّهَ اقْتِضَاءَ حَالِ كُلِّ فَرِيقٍ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسَابِهِ إِيَّاهُ. قَالَ قَتَادَةُ: لِلرِّجَالِ نُصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَلِلنِّسَاءِ كَذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ: الْمِيرَاثِ، وَالِاكْتِسَابِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بمعنى ما ذكرنا. قوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلا تَتَمَنَّوْا وَتَوْسِيطُ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ إِلَخْ. بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِتَقْرِيرِ مَا تَضَمَّنَهُ النَّهْيُ، وَهَذَا الْأَمْرُ يَدُلُّ: عَلَى وُجُوبِ سُؤَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ فَضْلِهِ، كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أَيْ: جَعَلْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ وَرَثَةً مَوَالِيَ يَلُونَ مِيرَاثَهُ، فَلِكُلٍّ: مَفْعُولٌ ثَانٍ قُدِّمَ عَلَى الْفِعْلِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِمَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا، أَيْ: لِيَتْبَعَ كُلُّ أَحَدٍ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَلَا يَتَمَنَّ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَهَا: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ وَقِيلَ الْعَكْسُ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ: إِلَى أَنَّ النَّاسِخَ لِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «١» والموالي: جمع مولى، وهو يطلق