Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٤

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٢/ ٢١١

فأُنْسِيَها بعدَ أن كان عَلِمها، ولم تُرْفَعْ رَفْعًا لا تعودُ بعدَه؛ لأنّ في حديثِ أبي ذَرٍّ أنّها في كلِّ رمضانٍ، وأنّها إلى يومِ القِيامةِ. ويدُلُّ على ذلك من هذا الحديثِ قولُه: "فالْتَمِسُوها". إلّا أنّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ معنى قولِه: "الْتَمِسُوها": في سائرِ الأعْوام، أو في العام المقْبِلِ؛ فإنّها رُفِعَتْ في هذا العامِ. ويَحْتمِلُ أن تكونَ رُفِعَتْ في تلك الليلةِ من ذلك الشَّهْرِ، ثم تَعودَ فيه في غيرِها. وفي ذلك دليلٌ على أنّها ليس لها ليلةٌ مُعَيَّنَةٌ لا تَعْدُوها، واللهُ أعلمُ.

وكان سببَ رَفْع عِلْمِها عنه ما كان من التَّلاحِي بينَ الرجلَيْن، واللهُ أعلمُ. وأمّا المُلاحاةُ فهي: التَّشاجُرُ ورَفْعُ الأصواتِ، والمراجَعَةُ بالقولِ الذي لا يَصْلُحُ على حالِ الغَضَبِ، وذلك شُؤْمٌ، واللهُ أعلمُ. وقد نهَى رسولُ الله ﷺ عنها وعن المِراءِ أشَدَّ النَّهْي (١). ورُويَ عنه ﷺ أنّه قال: "نَهاني رَبِّي عن مُلَاحاةِ الرجالِ" (٢). وقيل: المُلاحاةُ: السَّبُّ، يُقالُ: تلاحَيَا: إذا اسْتَبَّا، ولَحَانَي: أسْمَعني ما أكْرَهُ من قَبِيح الكلام، وأُنْشِد [من الطويل]:

أَلا أيُّها اللاحِي بأن أحْضُرَ الوَغَى ... وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هل أنتَ مُخْلِدِي (٣)