Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١٦/ ٣٥٢

النومَ حتى ما منهم رجلٌ إلا وذقنُه في صدْرِه، ثم كلَّمهم مُكلّمٌ من ناحيةِ البيتِ لا يدْرُونَ مَن هو: أنِ اغْسِلوا النبيَّ ﷺ وعليه ثيابُه. فقاموا إلى رسولِ الله ﷺ فغَسَلوه وعليه قميصُه، يَصُبُّون الماءَ فوقَ القميص، ويَدلُكونه بالقميصِ دونَ أيديهم. وكانت عائشةُ تقول: لو استقبَلتُ من أمري ما استدبَرتُ ما غَسَله إلا نساؤُه.

وذكَر مالكٌ (١) في بابِ دفنِ الميت، أنه بلَغه أنَّ أُمّ سَلَمةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: ما صدّقتُ بموتِ رسولِ الله ﷺ حتى سمِعتُ وقعَ الكَرازِين (٢). ولا أحفَظُه عن أمِّ سَلَمةَ متَّصلًا، والمعروفُ حديثُ عائشة: ما علِمنا بدَفْنِ رسولِ الله ﷺ (٣).

وإن صحَّ حديثُ أمِّ سَلَمة، فلعله أن يكونَ أدرَكها من الجَزَع عليه ما أدرَك عُمرَ ﵁، فظَنَّت أنه غُشيَ عليه وأُسريَ به إلى ربِّه، على نحوِ ما ظنَّ عمرُ حينَ خطَبَهم فقال: إنَّ محمدًا لم يَمُتْ، وأنه ذُهِب به إلى ربِّه، وسيرجِعُ فيقطَعُ أيديَ رجال. فبلَغ ذلك أبا بكرٍ فأتاهم فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعدُ، مَن كان يعبُدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبُدُ اللهَ فإن اللهَ حيٌّ لا يموتُ. ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤]. قال عُمرُ: فكأنّي لم أسمَعْ هذه الآية إلا يومئذ (٤).

قال أبو عُمر: الكَرازِينُ، يعني المساحِيَ والمحافِرَ. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ من حديثِ عائشةَ مُسنَدًا في هذا الباب، والحمدُ لله.